أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
51
نثر الدر في المحاضرات
وفي الرعية صنف وتروا الناس كلّهم ، وهم الذين قووا على جفوة الولاة ، ومن قوي على جفوتهم فهو غير سادّ ثغرا ، ولا مناصح إماما ، ومن غش الإمام فقد غش الناس طرّا وإن ظن أنه للعامة مناصح ، وكان يقال : « من لم ينصح عملا من غش عامله » . وفي الرعية صنف تركوا إتيان الملوك من قبل أبوابهم وأتوهم من قبل وزرائهم ، فليعلم الملك منكم أنه من أتاه من قبل بابه فقد آثره بنصيحة إن كانت عنده ، ومن أتاه من قبل وزرائه فهو مؤثر للوزير على الملك في جميع ما يقول ويفعل . وفي الرعية صنف دعوا إلى أنفسهم الجاه بالأياء والردّ له ووجدوا ذلك عند المغفلين نافقا ، وربما قرّب الملك الرجل من أولئك لغير نبل في رأي ، ولا إجزاء في العمل ، ولكن الأياء والرّدّ أغرباه . وفي الرعية صنف أظهروا التواضع واستشعروا الكبار ، فالرجل منهم يعظ الملوك زاريا عليهم بالموعظة ، يعتد ذلك تقرّبا إليهم ، ويتّخذ ذلك أسهل طريقي طعنه عليهم : ويسمّي ذلك هو وكثير ممن معه تحرّيا للدين ؛ فإن أراد الملك هوانهم لم يعرف لهم ذنبا يهانون عليه ، وإن أراد إكرامهم فهي منزلة حبوا بها أنفسهم على رغم الملوك ، وإن أراد إسكاتهم كان السماع ذلك أنه استثقل ما عندهم من حفظ الدين ، وإن أمروا بالكلام قالوا : إنما نفسد ولا نصلح ، فأولئك أعداء الدول وآفات الملوك : فالرأي للملوك تقريبهم من الدنيا ، فإنهم إليها أجروا ، وفيها عملوا ؛ ولها سعوا ، وإياها أرادوا ، فإذا تلوثوا بها بدت فضائحهم ، وإن امتنعوا مما في أيدي الملوك فإن فيما يحدثون ما يجعل للملوك سلّما إلى سفك دمائهم . وكان بعض الملوك يقول : « القتل أقل للقتل » « 1 » . وفي الرعية صنف أتوا الملوك من قبل النصائح لهم ، والتمسوا إصلاح منازلهم بإفساد منازل الناس ، فأولئك أعداء الناس ، وأعداء الملوك « ومن عادى الملوك وجميع الناس والرعية فقد عادى نفسه » .
--> ( 1 ) في المثل : « القتل أنفى للقتل » انظر مجمع الأمثال 1 / 185 .