أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

52

نثر الدر في المحاضرات

واعلموا أن الدهر حاملكم على طبقات : منهنّ حال السخاء حتى تدنو من السرف ، ومنهنّ حال التقدير حتى تقرب من البخل ، ومنهنّ حال الأناة حتى تصير إلى البلادة ، ومنهن حال المناهزة للفرصة حتى تدنوا من الخفّة ، ومنهن حال الطلاقة في اللسان حتى تدنو من الهذر ، ومنهن حال الأخذ بحكم الصّمت حتى تدنوا من العيّ . فالملك منكم جدير أن يبلغ من كل طبقة في محاسنها حدّها ؛ فإذا وقف على الحدود التي وراءها سرف ألجم نفسه عما وراءها . واعلموا أن الملك منكم ستعرض له شهوات من غير ساعاتها ، والملك إذا قدّر ساعة العمل ، وساعة الفراغ ، وساعة المشرب ، وساعة المطعم ، وساعة الفضلة ، وساعة اللّهو ، كان جديرا ألّا يعرف منه الاستقدام بالأمور ولا الاستئخار بها عن ساعاتها ، فإن اختلاف ذلك يورث مضرّتين : إحداهما ، السّخف ، وهي أشد الأمرين ، والأخرى ، نقض الجسد بنقض أقواته وحركاته . واعلموا أن من ملوككم من سيقول : لي الفضل على من كان من قبلي من آبائي وعمومتي ومن ورثت عنه هذا الأمر ؛ لبعض الإحسان يكون منه ، فإذا قال ذلك سوعد عليه بالمتابعة له ، فليعلم ذلك الملك أنه والمتابعين له إنما وضعوا أيديهم وألسنتهم في قصب آبائه من الملوك وهم لا يشعرون ، وبالحريّ أن يشعر بعض المتابعين له فيغمض على ما لا يحزنه من ذلك . واعلموا أن ابن الملك وأخاه وابن أخيه وعمّه وابن عمه يقول : كدت أكون ملكا ، وبالحريّ ألّا أموت حتى أكون ملكا ، فإذا قال ذلك قال ما لا يسرّ الملك ، فإن كتمه « فالداء في كل مكتوم » وإن أظهره كلم ذلك في قلب الملك كلما يكون لقاحا للتباين والتعادي ، وسيجد ذلك القائل ، من المتابعين والمحتملين والمنمنمين ما تمنى لنفسه ما يزيده إلى ما اشتاق إليه شوقا ، فإذا تمكّن في صدره الأمل لم يرج النّيل إلا في اضطراب من الحيل وزعزعة تدخل على الملك وأهل المملكة ، فإذا تمنّى ذلك فقد جعل الفساد سلّما إلى الصلاح ، ولم يكن الفساد سلّما إلى صلاح قط : وقد رسمت لكم في ذلك مثالا لا مخرج لكم من هذا إلّا به .