أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
50
نثر الدر في المحاضرات
واعلموا أن « صحة الظنون مفاتيح اليقين » وأنكم ستستيقنون من بعض رعيتكم بخير وشر ، وستظنون ببعضهم خيرا وشرّا ، فمن استيقنتم منه الخير والشرّ فليستيقن منكم بهما ، ومن ظننتموهما به فليظنّهما بكم في أمره ، فعند ذلك يبدو من المحسن إحسانه ، فيخالف الظنّ به فيغتبط ومن المسئ إساءته فيصدّق الظنّ به فيندم . واعلموا أن للشيطان في ساعات من الدهر طمعا في السلطان عليكم : منها ساعة الغضب والحرص والزّهو ، فلا تكونوا له في شيء من ساعات الدهر أشدّ قتالا منكم عندهن حتى تنقشعن . وكان يقال : « اتّق مقارفة الحريص القادر ؛ فإنه إن رآك في القوت رأى منك أخبث حالاتك ، وإن رآك في الفضول لم يدعك وفضولك » . استعينوا بالرأي على الهوى فإن ذلك تمليك للرأي على الهوى . واعلموا أن من شأن الرأي الاستخذاء للهوى ، إذا جرى الهوى على عادته ، وقد عرفنا رجالا كان الرجل منهم يؤنس من قوّة طباعه ونبالة رأيه ما تريه نفسه أنه على إزاحة الهوى عنه - وإن جرى على عادته ، ومعاودته الرأي وإن طال به عهده - قادر ؛ لثقة يجدها بقوّة الرأي ، فإذا تمكّن الهوى منه فسخ عزم رأيه ، حتى يسمّيه كثير من الناس ناقصا في العقل ، فأما البصراء فيستبينون من عقله عند غلبة الهوى عليه ما يستبان من الأرض الطيّبة الموات . واعلموا أن في الرعية صنفا من الناس هم بإساءة الوالي أفرح منهم بإحسانه وإن كان الوالي لم يترهم « 1 » ، وكان الزمان لم ينكبهم ، وذلك لاستطراف حادثات الأخبار فإن استطراف الأخبار معروف من أخلاق حشو الناس ، ثم لا طرفة عندهم إلا فيما اشتهر ؛ فجمعوا في ذلك سرور كل عدوّ لهم ولعامتهم مع ما وتروا به أنفسهم وولاتهم . فلا دواء لأولئك إلا بالأشغال .
--> ( 1 ) الوتر : الظلم فيه ، كالترة والوتيرة ، ووتر الرجل : أفزعه وأدركه بمكروه . ووتر ماله : نقصه إياه . ووتر أهله : قتل أحدهم .