أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

49

نثر الدر في المحاضرات

واعلموا أنكم لن تقدروا على ختم أفواه الناس من الطعن والإزراء عليكم ، ولا قدرة بكم على أن تجعلوا القبيح حسنا . واعلموا أن لباس الملك ومطعمه مقارب للباس السوقة ومطعمهم ، وبالحريّ أن يكون فرحهما بما نالا من ذلك واحدا ، وليس فضل الملك على السوقة إلا بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم ، فإن الملك إذا شاء أحسن وليس السوقة كذلك . واعلموا أنه يحقّ على الملك منكم أن يكون ألطف ما يكون نظرا ، أعظم ما يكون خطرا ، وألا يذهب حسن أثره في الرعية خوفه لها ، وألا يستغني بتدبيره اليوم عن تدبير غد ، وأن يكون حذره للملاقين أشدّ من حذره للمباعدين وأن يتّقي بطانة السّوء أشدّ من اتقائه عامة السوء . « ولا يطمعنّ ملك في إصلاح العامّة إذا لم يبدأ بتقويم الخاصّة » . واعلموا أن لكل ملك بطانة ، وأن لكل رجل من بطانته بطانة ، ثم لكل امرئ من بطانة البطانة بطانة ، حتى يجتمع في ذلك جميع أهل المملكة ، فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب أقام كل امرئ منهم بطانته على مثل ذلك ، حتى تجتمع على الصلاح عامّة الرعيّة . واعلموا أن الملك منكم قد تهون عليه العيوب ؛ لأنه لا يستقبل بها ، وإن عملها ، حتى يرى أن الناس يتكاتمونها بينهم كتكاتمهم إياه تلك العيوب ، وهذا من الأبواب الداعية إلى طاعة الهوى ، وطاعة الهوى داعية إلى غلبته « فإذا غلب الهوى اشتدّ علاجه من السوقة المغلوبة فضلا عن الملك الغالب » . اتقوا بابا واحدا طالما أمنته فضرّني ، وحذرته فنفعني ، احذروا إفشاء السّرّ عند الصّغار من أهليكم وخدمكم ؛ فإنه لا يصغر أحد منهم عن حمل ذلك السر إلا ضيّع منه شيئا يضعه حيث تكرهون ، إما سقطا وإما عبثا ، والسّقط أكثر ذلك . اجعلوا حديثكم لأهل المراتب ، وحباءكم لأهل الجهاد ، وبشركم لأهل الدين ، وسركم عند من يلزمه خير ذلك وشره ، وزينة وشينة .