أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
44
نثر الدر في المحاضرات
وقد كان من قبلنا من الملوك يحتالون لعقول من يحذرون ، بتخريبها ؛ فإن العاقل لا تنفعه جودة تجربة إذا صيّر عقله خرابا . وكانوا يحتالون للطاعنين بالدين على الملوك فيسمّونهم بالمبتدعين ، فيكون الدين هو الذي يقتلهم ويريح الملوك منهم . ولا ينبغي للملك أن يعترف للعبّاد والنّسّاك والمتبتّلين أن يكونوا أولى بالدين ولا أحدب عليه ولا أغضب له منه . ولا ينبغي للملك أن يدع النّسّاك بغير الأمر والنهي لهم في نسكهم ودينهم ، فإن خروج النسّاك وغير النسّاك من الأمر والنهي عيب على الملوك وعيب على المملكة ، وثلمة يستبينها الناس بيّنة الضرر للملك ولمن بعده . واعلموا أن تصبّر الوالي على غير أخدانه وتقريبه غير وزرائه فتح لأبواب محجوب عنه علمها . وقد قيل : « إذا استوحش الوالي ممّن لم يوطّن نفسه عليه أطبقت عليه ظلم الجهالة » . وقيل : « إن أخوف ما يكون العامة آمن ما يكون الوزراء » . اعلموا أن دولتكم تؤتى من مكانين : أحدهما ، غلبة بعض الأمم المخالفة لكم ، والآخر فساد دينكم ، ولن يزال حريمكم من الأمم محروسا ودينكم من غلبة الأديان محفوظا ما عظّمت فيكم الولاة ، وليس تعظيمهم بترك كلامهم ، ولا إجلالهم بالتنحّي عنهم ولا المحبّة لهم بالمحبة لكل ما يحبّون ، ولكنّ تعظيمهم تعظيم أديانهم وعقولهم ، وإجلالهم إجلال منزلتهم من اللّه جلّ وعزّ ، ومحبتهم محبة إصابتهم وحكاية الصواب عنهم . واعلموا أنه لا سبيل إلى أن يعظّم الوالي إلا بالإصابة في السياسة ، ورأس إصابة السياسة أن يفتح الوالي لمن قبله من الرعية بابين : أحدهما ، باب رقّة ورحمة ورأفة وبذل وتحنّن وإلطاف ومواتاة ومواساة وبشر وتهلّل وانبساط وانشراح ، والآخر ، باب غلظة وخشونة وتعنّت وشدة وإمساك ومباعدة وإقصاء ، ومخالفة ومنع وقطوب وانقباض ومحقرة إلى أن يبلغ القتل .