أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
45
نثر الدر في المحاضرات
واعلموا أني لم أسمّ هذين البابين باب رفق وباب عنف ، ولكني سميتهما جميعا بأبي رفق ؛ لأن فتح باب المكروه مع باب السرور هو أوشك لإغلاقه حتى لا يبتلى به أحد . واعلموا أن في الرعية من الأهواء الغالبة للرّأي ، والفجور المستثقل للدين ، والسّفلة الحنقة على الوجوه بالنّفاسة والحسد ما لا بدّ معه أن يقرن بباب الرأفة باب الغلظة ، وبباب الاستبقاء باب القتل . واعلموا أن الوالي قد يفسد بعض الرعيّة من حرصه على صلاحها ، أو قد يغلظ عليها من شدّة رقّته لها ، وقد يقتل منها من حرصه على حياتها . واعلموا أن قتالكم الأعداء من الأمم قبل قتالكم الأدب من أنفس رعيتكم ليس بحفظ ولكنه إضاعة ، وكيف يجاهد العدو بقلوب مختلفة وأيد متعادية ؟ وقد علمتم أن الذي بني عليه الناس وجبلت عليه الطّباع حبّ الحياة وبغض الموت ، وأن الحرب تباعد من الحياة ، وتدني من الموت ، فلا دفع ولا منع ولا صبر ولا محاماة مع هذا إلّا بأحد وجهين : إما بنية ، والنية ما لا يقدر عليه الوالي عند الناس بعد النية التي تكون في أوّل الدولة ، وإما بحسن الأدب وإصابة السياسة . واعلموا أن بدء ذهاب الدّولة إنما يبدأ من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة ولا أعمال معلومة ، فإذا فشا الفراغ تولّد منه النظر في الأمور والفكر في الأصول فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطبائع مختلفة ، فتختلف بهم المذاهب ، ويتولّد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم وتضاغنهم ، وهم في ذلك مجتمعون في اختلافهم على بغض الملوك ؛ لأن كل صنف منهم إنما يجري إلى فجيعة الملك الذي يملكه ، ولكنهم لا يجدون سلما إلى ذلك أوثق من الدين ، ولا أكثر أتباعا ، وأعزّ امتناعا ، ولا أشد على الناس صبرا ، ثم يتولد من تعاديهم أن الملك لا يستطيع جمعهم على هوى واحد ، فإذا انفرد ببعضهم فهو عدو لبعض . ثم يتولّد من تعاديهم وعداوتهم للملك كثرتهم ، فإنّ من شأن العامّة الاجتماع على الاستثقال للولاة والنّفاسة « 1 » عليهم ، لأن في الرعية المحروم
--> ( 1 ) نفس عليه الشيء نفاسة : لم يره أهلا له ، ونفس عليه بخير : حسد . والنفاسة : الحسد .