أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
39
نثر الدر في المحاضرات
وفي عهد سابور إلى ابنه : وزيرك فليكن مقبول القول عندك ، رفيع المنزلة لديك ، يمنعه مكانه منك ، وما يثق به من لطافة منزلته عندك ، من الخنوع لأحد والضراعة إلى أحد ، والمداهنة لأحد في شيء مما تحت يديه ؛ لتبعثه الثقة بك على محض النصيحة لك ، والمنابذة لمن أراد غشّك وانتقاصك حقّك ، وإذا أورد عليك رأيا يخالفك ولا يوافق الصواب عندك ، فلا تجتهد جهد الظنين ، ولا تردّه عليه بالتجهّم ، فيفت في عضده ذلك ، ويقبضه إثباتك كلّ رأي يلوح له صوابه ، بل اقبل ما رضيت من رأيه وقوله ، وعرفه ما تخوّفت من ضرر الرأي الذي انصرفت عنه ، لينتفع بأدبك فيما يستقبل النظر فيه ، واحذر كلّ الحذر من أن تنزل بهذه المنزلة سوى وزيرك ممن يطيف بك من خاصّتك وخدمك ، أو أن تسهّل لأحد منهم السبيل إلى الانبساط بالنطق عندك ، والإفاضة في أمر رعيتك وعملتك ، فإنه لا يوثق بصحة رأيهم ، ولا يؤمن الانتشار فيما ائتمنوا عليه من السر المكتوم من سواهم . وفي هذا العهد : واعلم أن قوام أمرك بدرور الخراج ، ودرور الخراج بعمارة البلاد ، وبلوغ الغاية في ذلك باستصلاح أهله بالعدل عليهم ، والمعاونة لهم ؛ فإن بعض ذلك لبعض سبب ، وعوامّ الناس لخواصّهم عدّة ، وبكل صنف منهم إلى الآخر حاجة ، فاختر لذلك أفضل من تقدر عليه من كتّابك ، وليكونوا من أهل البصر والعفاف والكفاية ، وأسند إلى كل امرئ منهم شقصا يضطلع به ، ويمكنه تعجيل الفراغ منه ، فإن اطلعت على أن أحدا منهم خان أو تعدّى فنكّل به ، وبالغ في عقوبته ، واحذر أن تستعمل على الأرض الكثير خراجها إلا البعيد الصّوت ، العظيم شرف المنزلة ، ولا تولّينّ أحدا من قواد جندك الذين هم عدّة للحروب ، وجنّة من الأعداء خراجا ؛ فلعلك تهجم من بعضهم على خيانة للأموال ، وتضييع للعمل ، فإن سوّغته المال وأغضيت له عن التضييع كان ذلك إهلاكا وإضرارا بالرعية وداعية إلى فساد غيره ، وإن أنت كافأته فقد استفدته وأضغنت صدره ، وهذا أمر توقّيه حزم ، والإقدام عليه خرق ، والتقصير فيه عجز . وفيه : واعلم أن من أهل الخراج من يلجئ بعض أرضه وضياعه إلى خاصّة الملك وبطانته لأحد أمرين ، أنت حريّ بكراهتهما . إما للامتناع من جور