أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
38
نثر الدر في المحاضرات
قال بزرجمهر : إذا كان القدر حقّا فالحرص باطل ، وإذا كان الغدر في الناس طباجا فالثّقة بكل أحد عجز ، وإذا كان الموت لكل أحد راصدا فالطّمأنينة إلى الدنيا حمق . قال أردشير : « إصلاح الشيم بالقناعة ، ونموّ العقل بالعلم » . كتب أنو شروان إلى مرازبة « 1 » خراسان : عليكم بأهل الشجاعة والسخاء فإنهم أهل حسن الظنّ باللّه . وقال بعض حكمائهم : لو كان الإفراط محمودا في شيء ما كان إلّا في الحلم والجود ، ولو تلاحى فيهما الإفراط والاعتدال لكان الاعتدال أولاهما بالذم ؛ لسلامة الجود من جميع العيوب . كتب أبرويز من حبسه إلى ابنه : إن كلمة منك تسفك دما ، وإن أخرى منك تحقن دما ، وإن سخطك سيوف مسلولة على من سخطت عليه ، وإن رضاك بركة مستفيضة على من رضيت عنه ، وإن نفاذ أمرك مع ظهور كلامك ، فاحترس في غضبك من قولك أن يخطئ ، ومن لونك أن يتغيّر ، ومن جسدك أن يخفّ ؛ فإن الملوك تعاقب قدرة ، وتعفو حلما ، وما ينبغي للقادر أن يستخفّ ولا للحليم أن يزدهى ، فإذا رضيت فابلغ بمن رضيت عنه يحرّض سواه على رضاك ، وإذا سخطت فضع من سخطت عليه يهرب من سواه من سخطك ، وإذا عاقبت فانهك « 2 » لئلا يتعرض لعقوبتك ، واعلم أنك تجلّ عن الغضب ، وأن الغضب يصغر عن ملكك ، وقدّر لسخطك من العقاب كما تقدّر لرضاك من الثواب . وكتب إليه في رسالة : لا زالت النعمة عند الأجواد ، والسلطان في أهل العلم ، والعدل في الحكّام ؛ لأن بنعمة الأجواد يعمّ الدنيا الخصب ، وبعلم الملك يشمل الناس الأمن ، ويعدل الحكّام تخلو الدنيا من الظلم .
--> ( 1 ) المرازبة : واحدها مرزبان ، فارسي معرب ، وهو الفارس الشجاع المقدم على القوم دون الملك . ويقال للرئيس من العجم : مرزبان . ( 2 ) أنهك : أي بالغ في العقوبة ، ونهكه السلطان نهكا : بالغ في عقوبته .