أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
33
نثر الدر في المحاضرات
ولما قتل بزرجمهر بعث إلى ابنته فجاءته مكشوفة الرأس ، فلما رأته غطّت رأسها ، فقال أنو شروان : سلوها عن ذلك فقالت : ما رأيت أحدا حتى رأيته . قال سابور : « لم أهزل في أمر ولا نهي قطّ ، ولم أخلف وعدا ولا وعيدا قط ، وولّيت للغناء لا للهوى ، وضربت للأدب لا للغضب ، وأودعت في قلوب الرعية المحبة من غير جرأة ، والهيبة من غير ضغينة ، وعممت بالقوت ، ومنعت الفضول » . سئل أنو شروان أيّ الأشياء أحق بالاتّقاء ؟ قال : أعظمها مضرة ، قيل : فإن جهل قدر المضرة ؟ قال : أعظمها من الهوى نصيبا . وقال : « لا تنزلنّ ببلد ليس فيه خمسة أشياء : سلطان قاهر ، وقاض عادل ، وسوق قائمة ، وطبيب عالم ، ونهر جار » . وسأل كسرى موبذه : أيما أكثر الشياطين أو الناس ؟ فقال : إن حسبت الأكراد والرعاة والعامة وأهل الأسواق من الناس فإن الناس له كثير . ويقال : إن كسرى أنزل الكتّاب كلواذى ، وكانوا يأتون في كل يوم فيعملون عملهم ثم ينصرفون إلى منازلهم ، وفرّق إذنهم ، فكان يأذن لهم في أوقات مختلفة ؛ ليشغلهم ببعد المسافة ، ولئلا يجتمعوا فيدبّروا على الملك . وكانوا يقولون : « كلّ عزيز دخل تحت القدرة فهو ذليل ، وكل مقدور عليه مملوك محقور » . قال بزرجمهر : « من أحبك نهاك ومن أبغضك أغراك » . وقيل له : هل من أحد لا عيب فيه ؟ قال : الذي لا عيب فيه الذي لا يموت . وقال كسرى : أيّ شيء أضرّ ؟ فأجمعوا على الفقر ، فقال : الشّح أضر منه ؛ لأن الفقير قد يصيب الفرجة . وسئل أنو شروان عن منفعة الولد الصالح قال : يستلذّ به العيش ، ويهون به الموت .