أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

342

نثر الدر في المحاضرات

وتحدثوا عن عمرو بن معديكرب أنه كان معروفا بالكذب ، وأنّ أهل الكوفة الأشراف كانوا يظهرون بالكناسة فيتحدّثون على دوابّهم إلى أن تطردهم الشمس ، فوقف عمرو بن معدي كرب ، وخالد بن الصّقعب النهدي وأقبل عمرو يحدّثه فقال : أغرنا على بني نهد ، فخرجوا مستغيثين بخالد بن الصقعبي فحملت عليه فطعنته فأذريته ثم ملت عليه بالصّمصامة فأخذت رأسه فقال خالد : خلا أبا ثور ، إنّ قتيلك هو المحدّث ، فقال : يا هذا إذا حدّثت فاسمع ، فإنّما يتحدّث بمثل هذا لنرهب به الأعداء . وقيل : لخلف الأحمر « 1 » وكان شديد التعصّب لليمن أكان عمرو بن معديكرب يكذب ؟ فقال : كان يكذب في المقال ، ويصدق في الفعال . وذكر أنّ قاصّا كان يكثر التحديث عن هرم بن حيّان ، فاتّفق أن كان معه هرم في المسجد وهو يقول : حدّثني هرم مرة بعد مرة بأشياء لا يعرفها هرم فقال له : يا هذا أتعرفني ؟ أنا هرم بن حيّان ، ما حدّثتك بهذا من شيء ، فقال له القاصّ : وهذا أيضا من عجائبك ، أنه ليصلّي في المسجد خمسة عشر رجلا اسم كل واحد منهم هرم ، فكيف توهّمت أن ليس في الدنيا هرم غيرك ؟ وشبيه بهذا ما شهدناه ، وهو أنّه لما وفد أبو القاسم بن بابك على الصّاحب رحمه اللّه وأنشده مدائحه فيه ، طعن عليه بعض الحاضرين وذكر أنه منتحل وأنه ينشد قصائد قد قالها ابن نباتة ، فأراد الصاحب أن يمتحن ، فاقترح عليه أن يقول قصيدة يصف فيها الفيل على ورق عرد ، فقال أبو القاسم قصيدته المعروفة التي أجاد فيها واستحسنها الصّاحب . وقال له : شككت له ، خيّب الشكّ ، ولام الطّاعن على كذبه ، وادّعائه أنه ينتحل شعر غيره فقال : يا مولانا ، هذا واللّه معه ستّون فيلية ، كلها على هذا الورق لابن نباتة . وقال المبرّد كان بالرقة قاصّ يكثر الحديث عن بني إسرائيل ، فيظنّ به

--> ( 1 ) هو خلف بن حيان ، أبو محرز البصري المعروف بخلف الأحمر ، توفي سنة 180 ه ، صنف كتاب « خيال العرب ، وما قيل فيه من الشعر » ( كشف الظنون 5 / 348 ، وانظر ترجمته في : مراتب النحويين 46 ، طبقات النحويين 161 ، نزهة الألباء 37 ، إنباه الرواة 1 / 348 ، بغية الوعاة 242 ) .