أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

339

نثر الدر في المحاضرات

عليك . فقال الفتى : أنا أفعل ذلك واحتذ من رسمك فيه ، ولا تجاوزه فوصفه هذا النّديم لصاحبه . فقال : لا يكونن بغداديّا سيّئ الأدب ، فضمن عنه حسن الأدب ، وإقامة شروط الخدمة . فاستحضره وحضر ، وأعجب به ، وخلع عليه ، فحملت إليه صلة من الثّياب والدّراهم وغيرها ، ووضعت بين يديه ، وواكله وأحضره مجلس أنسه ، وهو في أثناء ذلك يأتي بالعظائم من الكذب فيصدّقه إلى أن قال مرّة - وقد أخذ الشراب من الفتى - : إنّ لي عادة في كلّ سنة أن أطبخ قدرا كبيرة وقت ورود حاج خراسان ، وأدعوهم وأطعمهم جميعهم من تلك القدر الواحدة فتحيّر الفتى وقال : أي شيء هي هذه القدر بادية العرب ؟ دهناء تميم ؟ بحر قلزم ؟ فغضب الأمير ، وأمر بتمزيق الخلع عليه وطرده في بعض الليل ، وأقبل على النّديم يعنّفه ويلومه . وعاد الفتى إلى باب النديم ، وبات عليه إلى أن أصبح ، وعاد الرجل إلى منزله ، فدخل إليه واعتذر بالسّكر ، وضمن أن لا يعود لمثل ذلك ، فعاد إلى صاحبه وحسّن أمره ، وقال : إنه كان بعيد عهد في الشّراب وعمل النبيذ فيه عملا لم يشعر معه بشيء مما جرى . وأنه بكّر إلى سير ، فرآه اللصوص عند عوده فعارضوه وأخذوا منه حلّة الأمير ومانعهم فمزّقوا عليه خلعه ، فرسم بإعادته إلى المجلس ، وأضعف له في اليوم الثاني الجائزة والخلعة وجعل الفتى يتقرّب بأنواع التقرّب إليه ، وإذا كذب الأمير صدّقه ، وحلف عليه . إلى أن جرى ذكر الكلاب الرّبيبة والصّغار فقال الأمير : قد كان عندي منها عدة في غاية الصّغر ، حتى أتى لآمر بأن تلقى في المكحلة ، وكان لي مضحك أعبث به ، فأمرت أن يكحل من تلك المكحلة إذا قام وسكر وكان إذا أصبح وأفاق من سكره يرى تلك الكلاب وهي تنبح في عينه ولا يقدر عليها لصغرها . قال : فقام الفتى وخلع الثياب المخلوعة عليه ، وترك الجائزة وعاد عريانا . قال : لا صبر لي على كلاب تنبح من أجفان العين ، اعمل بي ما شئت ، وفارق البصرة ، وعاد إلى بغداد . قال المدائني : كان عندنا بالمدائن رجل ، يقال له : دينارويه وكان خبيثا ، قال له والي المدائن : إن كذبت كذبة لم أعرفها فلك عندي زقّ شراب ودراهم وغيرهما . قال له دينارويه : هرب لي غلام فغاب عنّي دهرا لا أعرف له خبرا