أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

305

نثر الدر في المحاضرات

ربما غابت أياما ثم تعود إذا طلبت ، قال : كأنك تعني أنها تأبق . قال : نعم ، قال : لا عليك أنا واللّه أعلم الناس بأثر الذر على الصفا ، فلتأخذ أي طريق شاءت فإنا نردها ، ثم ما ذا ؟ قال : إنها ربما نامت فقطرت منها القطرة بعد القطرة . قال : كأنك تعني أنها تبول بالفراش قال : نعم ، قال : لا عليك فإنها لا تتوسّد عندنا إلا التراب ، فلتبل كيف شاءت ، ثم ما ذا ؟ قال : إنها ربما عبثت بالشيء تجده عندنا ، قال : كأنك تعني أنها تسرق ما تجد ؟ قال : نعم قال : لا عليك فإنها واللّه ما تجد ما يقوتها ، فكيف ما تسرقه ؟ وأخذ بيدها وانطلق بها . قيل لأعرابي : أيسرّك أنك نبيّ ؟ قال : لا ، قيل : ولم ؟ قال : يطول سفري ، وأهجر دار قومي ، وأنذر بالعذاب عشيرتي ، قيل : فيسرّك أنّك خليفة ؟ قال : لا ، قيل : ولم ؟ قال : ينقص عمري ، ويكثر تعبي ، ولا تكبروني ، أمشي وحدي ، قيل : أيسرّك أن تدخل الجنة وأنت باهليّ ؟ قال : على أن لا يعرف فيها نسبي . سمع أعرابي قوما يقولون : إذا كان للإنسان على سحمة أذنه شعر كان دليلا على طول عمره ، فضرب يده على شحمة أذنه فوجد عليها شعرا فقال : اللّه باللّه وبك . قيل لأعرابي : ما ترى يصنع الخليفة في مثل هذا اليوم الشديد البرد ؟ قال : تجده قد أخذ لحم جزور بيده اليمنى ، وقدرة تمر بيده اليسرى ، وبين يديه قصعة لبن ، وقد استقبل الشمس بوجهه ، واحتبى بكسائه فيكدم هذا مرة وهذه مرة ويتحسّى من اللّبن مرّة . وقفت أعرابية على قوم يصلون جماعة فلما سجدوا صاحت وقالت : صعق الناس ورب الكعبة . قيل لأعرابي : أتعرف إبليس ؟ قال : أما الثناء عليه فسيّئ ، واللّه أعلم بسريرته . ودخل آخر مسجدا والإمام يقرأ : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [ المائدة : 3 ] فقال الأعرابي : والكامخ فلا تنسه ، أصلحك اللّه . وسمع آخر رجلا يقرأ : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ( 22 ) [ الذاريات : 22 ] فقال : يا ابن عم ، إنه لبعيد سحيق .