أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

258

نثر الدر في المحاضرات

الرجل موضع عقله ، ورسوله موضع سرّه ، واستودعك اللّه فإنه ينبغي للمودع أن يسكت ، وللمشيّع أن ينصرف ، وما خفّ من المنطق ، وقلّ من الخطبة أحبّ إلى أبيك . وأوصى المنذر بن مالك البجلي بنيه - وكان قد أصاب دماء في قومه فلحق ببني هلال بن عامر ، فلما حضره الموت جمع بنيه فقال : باسمك اللّهم ، يا بنيّ احفظوا أدبي يكفكم ، وابتغوا وصاتي تلحقوا بصالح قومكم ، فإنّي لم أكلكم إلى أديب حيّ ، والمعنيّ بكم غائب عنكم ، آثروا ما يجمل ، واقنوا أخياركم ، وأطيعوا ذوي الرأي منكم ، وأجلّوا ذوي أسنانكم ، ولا تعطوا الدّنيّة ، وإن كان الصبر على خطة الضّيم أبقى لكم ، وتناصروا تكونوا حمى ، وإذا قدمتكم على قومكم فلتكن خلتكم واحدة ، ولا تستروا دفين داء لم يدرك مثله ، يقطعوا عنكم النار ، وتعدموا بقومكم غيرهم ، ولا تدبروا أعجاز ما قد أودت صدوره فتفشلوا ، وعفّوا عن الدّناءة ، ووقّروا أهل الكفاية ، ولا تواكلوا الرفد والنجدة فتجدي عظتكم ، واتّخذوا لأسراركم من علانيتكم حجازا تكفوها ، ولا تفيلوا الرأي بالظّن ، فيبدع بكم ، وأطيلوا الصّمن ، إلا من حق تسبقوا : والزموا الأناة تقر قدمكم ، واغتنموا الفرصة تظفروا ، وعجّلوا تحمدوا ، ولا تأخذوا حبلا من قليل فإن القليل ذليل ، وخذوا الحبل من ذي المرة الكاثر ، وشمّر لدرك الثأر ، ومنعة الجار ، واظعنوا في الشّهر الأصم « 1 » تبلغوا دار قومكم سالمين ، وأوفوا بالعهد ، واتقوا الغدر ، فشؤم النساء والغدر أورثاني دار الغربة . وأوصى عمر بن يشكر البجلي فقال : يا بني إذا غدوتم فبكّروا ، وإذا أرحتم فهجّروا ، وإذا أكلتم فأوتروا ، وإذا شربتم فأسئروا أوتروا ، أي كلوا بثلاث أصابع . أوصى مصعب بن يشكر فقال : يا بني أوسعوا الحبا ، وحلّوا الربا ، وكونوا أسى تكونوا حمى .

--> ( 1 ) الشهر الأصمّ : هو شهر رجب لأنه لا يسمع فيه صوت السلاح ولا استغاثة مستغيث لأنه من الأشهر الحرم .