أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

259

نثر الدر في المحاضرات

وأوصى عمرو بن كلثوم التّغلبي فقال : يا بني إني قد بلغت من الهرم ما لم يبلغه أحد من آبائي إلا جدّي : تلك الرجل كان ملك جده فسمّي « الرجل » لكماله ، ولا بدّ من أمر مقتبل ، وأن ينزل بي ما نزل بالآباء والأجداد والأمهات والأولاد ، وإني واللّه ما عيّرت رجلا قط بشيء إلا وعيّرني بمثله ، وإن حقا فحقا ، وإن كان باطلا فباطلا ، من سبّ يسب ، فكفوا عن الشّتم ، فإنه أسلم لأعراضكم ، وصلوا أرحامكم ، تعمر داركم ، وأكرموا جاركم ، يحسن ثناؤكم ، وزوّجوا بنات العم بني العم ، فإن تعدّيتم بهن إلى الغرباء ، فلا تألوا بهن عن الأكفاء ، وابعدوا بيوت الرجال عن النساء ، فإنه أغضّ للبصر ، وأعفّ للذّكر ، فإذا كانت المعاينة واللقاء ، ففي ذلك داء من الأدواء ، ولا خير فيمن لا يغار لغيره ، كما يغار لنفسه ، وقلّ من انتهك حرمة لغيره ، إلا انتهكت منه حرمته ، وامنعوا ضيم الغريب من القريب ، فإنك تذل على قريبك ولا يجمل بك ذل غريبك ، فإذا تنازعتم في الدماء ، فلا يكونن حقكم اللقاء ، ورب رجل خير من ألف ، وودّ خير من خلف ، وإذا حدّثتم فعوا ، وإذا حدّثتم فأوجزوا ، فإن مع الإكثار يكون الإهذار ، وموت عاجل خير من ضني آجل ، وما بكيت من زمان إلا دهاني بعده زمان ، وربما شجاني من لم يكن أمره عناني ، ولا عجبت من أحدوثة إلا رأيت بعدها أعجوبة ، واعلموا أنّ أشجع القوم العطوف ، كما أن أكرم الحتوف قتل بالسيوف ، ولا خير فيمن لا رويّة له عند الغضب ، ولا من إذا عوتب لم يعتب ، ومن الناس من لا يرجى خيره ، ولا يخاف شرّه ، فبكئوه خير من درّه ، وعقوقه خير من برّه ، ولا تبرّحوا في حبّكم ، فإنه من برح في حبّ ، آل ذلك إلى قبيح البغض ، وكم من قدر زارني وزرته ، فانقلب الدهر بنا فبرته ، وقلّ ما رأيت غضبا إلا فترته أكتسب بغضا ، واعلموا أنّ الحليم سليم ، وأن السّفيه كليم ، إني لم أمت ، ولكني هرمت ، ودخلتني ذلة فسكنت ، وضعف قلبي فأهترت سلمكم ربّكم وحيّاكم . أوصى تميم بن مر فقال : يا بنيّ عليكم بلا ، فإنها ترفع للحين وإياكم ونعم ، فإنها رجا للمين ، وعليكم بالمسألة ، فإنه است المسؤول أضيق ، ولا تحقروا اليسير أن تأخذوه ، فإن اليسير إلى اليسير كثير ، واستعيروا ولا تعيروا ، واظهروا للناس الحاجة لكي لا تسألوا فتمنعوا فتكون أسناهم هي الضيقة ، وإن