أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

254

نثر الدر في المحاضرات

والخصام ، تسلم لكم المروءة والأحلام ، وتحببوا إلى العشائر يهبكم العمائر ، وجودوا بالنّوال تثمر لكم الأموال ، وإياكم ونكاح الحمقاء الورهاء ، فإنها أدوى الداء ، وأبعدوا عن جار السوء داركم ، ومن قرين الغي مزاركم ودعوا الضغائن فإنها تدعو إلى التباين ، ولا تكونوا لآبائكم عاقين . وحيّاكم ربكم وسلمكم . وأوصى قيس بن معدي كرب الكندي أولاده حين بلغوا فقال : يا بني ، عليكم بهذا المال ، فاطلبوه بأجمل الطلب ، ثم اصرفوه في أجمل مذهب ، وصلوا منه الأرحام ، واصطنعوا منه الأقوام واجعلوه جنّة لأعراضكم ، يحسن في الناس مقالكم ، فإنّ بذله كمال الشرف وثبات المروءة ، حتى أنه يسوّد غير السيّد ، ويقوّي غير الأيّد ، حتى يكون في أنفس الناس نبيها ، وفي أعينهم مهيبا ، ومن كسب مالا ، فلم يصل منه رحما ، ولم يعط منه سائلا ، ولم يصن به عرضا ، بحث الناس عن أصله ، فإن كان مدخولا هتكوه ، وإن كان صحيحا كسروه ، إما دنيّة أو عرقا لئيما حتى يهجنوه . وأوصى الأشعث بن قيس فقال : يا بني ذلوا في أعراضكم وانخدعوا في أموالكم ، فإن أباكم كذاك كان يفعل ، لتخفّف بطونكم من أموال الناس ، وظهوركم من دمائهم ، فإنّ لكل أمر تبعة ، وأصلحوا المال لجفوة السّلطان ، ونبوة الزمان ، وأجملوا في طلب الرزق ، حتى يوافق النجاح قدرا ، وكفوا عند أول مسألة ؛ فإنه كفى بالود منعا ، وامنعوا نساءكم إلا من أكفائكم ، فإنكم أهل بيت يكتفي بكم الكريم ، ويتشرّف بكم اللئيم ، وكونوا في عوام الناس ما لم يضطرب حبل ، فإذا اضطرب حبل ، فالحقوا بعشائركم ، وعودوا بفضلكم على قومكم ، فإنّه لم يزل رجل منكم يرجى عذره وتعمّر يده . وأوصى أود بن صفر بن سعد العشيرة فقال : يا بني ، سلوا الناس ولا تخبروهم ، وأخيفوهم ولا تخافوهم . وأوصى أسلم بن أفصى الخزاعي . فقال : يا بنيّ اتّقوا ربّكم في اللّيل إذا دجا ، وفي النّهار إذا أضاء ، يكفكم كل ما تخافون ويتقي ، وإيّاكم ومعصيته ، فإنه ليس لكم وراءه وزر ، ولا لكم دونه محتضر ، يا بني : جودوا بالنّوال وكفّوا عن السؤال ، يا بني : إنكم إن وهبتم قليلا فسيعود لكم نحلا ، فلا تمنعنّ سائلا محقّا