أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
255
نثر الدر في المحاضرات
كان أو مبطلا ، فإن كان محقا فلا تحرموه ، وإن كان مبطلا فقد أذهب خفره ، وصرّح الحياء عن بصره فأعطوه ، ولا تماروا عالما ولا جاهلا ، فإن العالم يحجكم فيغلبكم ، وإن الجاهل يلحكم فيغضبكم فإذا جاء الغضب كان فيه العطب ، وإيّاكم والفجور بحرم الأقوام ، فإنه قلّما انتهك رجل حرمة إلا ابتلي في حرمته ، وإياكم وشرب الخمر ، فإنها متلفة للمال ، طلّابة لما لا ينال ، وإن كان فيها صلاح البدن ، فإنّ فيها مفسدة للعقل . وإياكم والاختلاف فإنّه ليس معه ائتلاف ، ولا يكوننّ لكم جار السوء جارا ، ولا خدين السوء زوّارا ، وعليكم بصلة الرّحم تكثر أموالكم ، ولا تقطعوا فتعف من دياركم آثاركم ، وإيّاكم والعجز والتّواني ، فإنّهما يورثان الندامة ، ويكثران الملامة ، يا بني : أنتم مثل شجرة نابتة الأركان ملتفّة الأغصان ولا تختلفوا فتذبل الأغصان ، وتجفّ الشجرة ، فتكونوا أشلاء بكل مكان ، يا بني ، قد أتت عليّ مائتي سنة ما شتمت ولا شتمت ، ولا قلت من لوم : ما ذا صنعت ؟ خذوا بوصيّتي تسلموا ، ولا تخالفوا فتندموا . يقال إنّ أوس بن حارثة أبا الأنصار لما حضرته الوفاة ولم يكن له ولد غير مالك ، وكان لأخيه الخزرج خمسة ، قيل له : كنا نأمرك بالتزويج في شبابك فلم تفعل حتى حضرك الموت ، وليس لك ولد إلا مالك . فقال : لم يهلك هالك ، ترك مثل مالك ، وإن كان الخزرج ذا عدد ، وليس لمالك ولد ، فلعلّ الذي استخرج العذق من الجريمة « 1 » ، والنار من الوثيمة « 2 » أن يجعل لمالك نسلا ، ورجالا بسلا « 3 » ، وكلنا إلى الموت ، يا مالك : المنيّة ولا الدّنيّة والعتاب قبل العقاب ، والتجلّد ولا التّلبّد ، واعلم أن القبر خير من الفقر ومن لم يعط قاعدا منع قائما ، وشرّ شارب الشراب المشتفّ « 4 » وأقبح طاعم للطعام المقتفّ « 5 » ، وذهاب البصر خير من كثير من النظر ، ومن كرم الكريم ، الدفاع عن الحريم ، ومن قلّ ذلّ ، ومن أمر فلّ ، وخير الغنى القناعة ، وشر الفقر الخضوع : والدهر
--> ( 1 ) الجريمة : النواة . ( 2 ) الوثيمة : الجمارة . ( 3 ) البسل : جمع الباسل ، وهو الشجاع . ( 4 ) المشتفّ : أي شارب البقية التي تبقى في الإناء . ( 5 ) المقتفّ : المتعجل .