أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
250
نثر الدر في المحاضرات
وتنال الفرصة ، وتسويد من لا تعابون بتسويده ، والوفاء فإنّ به يعيش الناس ، وإعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة ، ومنع ما تريدون منعه قبل الإنعام وإجارة الجار على الدهر ، وتنفيس البيوت عن منازل الأيامي ، وخلط الضّيف بالعيال ، وأنهاكم عن الرّهان فإني به ثكلت مالكا أخي ، وعن البغي فإنه صرح زهيرا أبي ، وعن السّرف في الدماء ، فإنّ قتلى أهل العبات أورثني العار . ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق ، وأنكحوا الأيامى الأكفاء ، فإن لم تصيبوا بهن الأكفاء فخير بيوتهنّ القبور . واعلموا أني أصبحت ظالما مظلوما ، ظلمتني بنو بدر بقتلهم مالكا ، وظلمتهم بقتلي من لا ذنب له . ثم رحل عنهم فلحق بعمان ، فتنصّر بها ، وأقام حتى مات . وقيل : إنه احتاج فكان يأكل الحنظل حتى قتله ، لم يخبر أحدا بحاجته . بلغ أبا الأغر أنّ أصحابه بالبادية قد وقع بينهم شرّ ، فأرسل ابنه الأغر فقال : يا بني كن يدا لأصحابك على من قاتلهم ، وإيّاك والسيف فإنه ظل الموت ، واتّق الرمح فإنه رشاء المنيّة ، ولا تقرب السهام فإنها رسل لا تؤامر مرسلها ، قال فبما ذا أقاتل ؟ قال : بما قال الشاعر « 1 » : [ الطويل ] جلاميد أملاء الأكفّ كأنها * رؤوس رجال حلّقت في المواسم وقال رجل من بني هلال لبنيه : يا بني اظهروا النسك فإن الناس إن رأوا من أحدكم بخلا قالوا : مقتصد لا يحب الإسراف وإن رأوا عيا قالوا : متوقّ يكره الكلام ، وإن يروا جبنا قالوا : متحرّج يكره الإقدام على الشبهات . وكانت العرب إذا أوفدت وافدا تقول له : إياك والهيبة فإنها خيبة ، وعليك بالفرصة فإنها خلسة ، ولا تبت عند ذنب الأمر ، وبت عند رأسه . أوصت أعرابية ابنتها عند إهدائها إلى زوجها ، فقالت : اقلعي زجّ رمحه ، فإن أقرّ فاقلعي سنانه ، فإن أقر كسرى العظام بسيفه ، فإن أقر فاقطعي اللحم على
--> ( 1 ) البيت لامرأة من بني حنيفة في أساس البلاغة ( ملأ ) ، ولنافع بن خليفة الغنوي في ذيل الأمالي ص 117 ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 1 / 507 ، والكامل للمبرد ص 333 .