أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
248
نثر الدر في المحاضرات
قال هانئ قبيصة بن مسعود الشيباني يوم ذي قار يحرض بني وائل : الحذر لا ينجي من القدر ، والدّنيّة أغلظ من المنيّة ، واستقبال الموت خير من استدباره ، والطّعن في الثّغر ، خير وأكرم منه في الدبر ، يا بني : هالك معذور ، خير من ناج فرور ، قاتلوا ، فما للمنايا من بدّ . قال أكثم بن صيفي « 1 » : يا بني تميم لا يفوتنّكم وعظي إن فاتكم الدهر بنفسي ، إنّ بين حيزومي وصدري لبحرا من الكلم ، لا أجد له مواقع غير أسماعكم ، ولا مقارّ إلا قلوبكم فتلقوها بأسماع صاغية ، وقلوب واعية ، تحمدوا عواقبها : إن الهوى يقظان ، والعقل راقد ، والشهوات مطلقة ، والحزم معقول ، والنفس مهملة ، والروية مقيّدة ، ومن يجهل التواني ، ويترك الرّويّة يتلف الحزم . ولن يعدم المشاور مرشدا ، والمستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل ، ومن سمع سمع به ، ومصارع الألباب تحت ظلال الطمع ، ولو اعتبرت مواقع المحن ، ما وجدت إلا في مقاتل الكرام ، وعلى الاعتبار طريق الرشاد ، ومن سلك الجدد أمن العثار ، ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه ، ويشغل فكره ، ويثير غيظه ، ولا يجاوز ضره نفسه . يا بني تميم : الصّبر على جرع الحلم ، أعذب من جني ثمر الندم ، ومن جعل عرضه دون ماله ، استهدف الذم ، وكلم اللسان أنكى من كلم الحسام ، والكلمة مزمومة ، ما لم تنجم من الفم ، فإذا نجمت فهي سبع محرّب ، أو نار تلهّب ، ولكل خافية مختف ، ورأي الناصح اللبيب دليل لا يجوز ، ونفاذ الرأي في الحرب ، أنفذ من الطعن والضرب . استشار قوم أكثم بن صيفي في حرب أرادوها ، وسألوا أن يوصيهم ، فقال : أقلّوا الخلاف على أمرائكم ، واعلموا أن كثرة الصّياح من الفشل ، والمرء يعجز
--> ( 1 ) هو أكثم بن صيفي بن رياح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية التميمي ، حكيم العرب في الجاهلية ، أحد المعمرين ، أدرك الإسلام ولم ير النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه مات وهو في الطريق إلى المدينة ، توفي سنة 9 ه ( الأعلام 2 / 6 ، الإصابة 1 / 113 ) .