أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
218
نثر الدر في المحاضرات
الشم ، والجراول « 1 » السود الصم ، إنّ أسيّدا لهو الخصم ، لا ينكر الفضل له في القمر ، أما وربّ السماء والأرض ، ما لاح لناظر ، لقد سبق أسيّد أبا ربيعة بغير مراء . قالوا : فقضى بالفضل لمخزوم فقال : أما وربّ العاديات الضّبح ، ما يعدل الحر بعبده مفشح ، بمن أحل قومه بالأبطح ، فنحر أسيد ورجعوا فأخذ مال أبي ربيعة ، وكانت أخت أسيد عند أبي جهل فكلموها ، فكلمت أخاها فردّ ماله . ذكر الأصمعي أن هندا كانت عند الفاكه بن المغيرة المخزومي ، وكان له بيت ضيافة يغشاه الناس فيدخلونه من غير إذن ، فخلا ذلك البيت يوما واضطجع فيه الفاكه وهند ، ثم قام الفاكه فترك هند لأمر عرض له ، فأقبل رجل ممّن كان يغشى البيت فولجه فلمّا رأى المرأة نائمة ولّى هاربا ، فأبصر الفاكه ، فإذا رجل قد خرج من البيت فأقبل الفاكه إلى هند فرفسها برجله وقال : من هذا الذي كان عندك ؟ فقالت : ما رأيت أحدا ولا انتبهت حتى أنبهتني . فقال لها : الحقي بأبيك قالت : أفعل ، ومضت من فورها ، وتكلم الناس في ذلك فقال لها أبوها : يا بنية ، إن الناس قد أكثروا فيك الكلام ، فأخبريني بالقصة على الصحة ، فإن كان كاذبا دسست إليه من يقتله ، فتنقطع القالة عنك فحلفت أيمنا بأنه لكاذب عليها ، فقال عتبة للفاكه : إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فهل لك في أن تحاكمني إلى بعض الحكام ؟ فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم ، وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف ، وخرج معه هندا ونسوة معها يهدون بعض الكهنة ، فلما شارفوا بلاد الكاهن ، تنكّرت حال هند وتغيّر لونها ، ورأى ذلك أبوها فقال لها : يا بنية ، إني أرابني ، ما بك وما ذاك إلا لمكروه عنك ، فهلا كان هذا من قبل أن يشهر عند الناس سرّنا ؟ قالت : يا أبت واللّه ما الذي رأيت منّي لمكروه ، ولكني أعلم أنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب ، فلا آمن أن يمسني ميسما يكون عليّ عارا في العرب ، قال لها : فإني سأمتحنه قبل المسألة بشيء ، وصفّر لفرس له فأدلى ثم أخذ حبّة بر فأدخلها في إحليله ثم أوكى عليها بسير وتركه حتى إذا وردوا على
--> ( 1 ) الجراول : جمع جرول ، وهي الأرض الكثيرة الحجارة ، وقيل : الجراول : الحجارة ، أو موضع من الجبل كثير الحجارة ، واحدتها : جرولة .