أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
19
نثر الدر في المحاضرات
كان واللّه يخرج في الليلة الصّنبر « 1 » يركب الجمل الثّفال « 2 » ، ومجنب الفرس الحرور ، وفي يده الرّمح الخطّيّ ، وعليه الشّملة الفلوت « 3 » وهو بين المزادتين حتى يصبح ، فيصبح متبسّما . يروى أن خالد بن صفوان دخل على يزيد بن المهلب وهو يتغدى فقال : ادن فكل ، فقال : أصلح اللّه الأمير لقد أكلت أكلة لست ناسيها ، قال : وما أكلت ؟ قال : أتيت ضيعتي لإبّان الأغراس ، وأوان العمارة فجلت فيها جولة حتى إذا صحرت الشمس ، وأزمعت بالركود ، ملت إلى غرفة لي هفافة ، في حديقة قد فتحت أبوابها ، ونضح بالماء جوانبها وفرشت أرضها بألوان الرياحين من بين ضيمران « 4 » نافخ ، وسمسق « 5 » فائح ، وأقحوان زاهر ، وورد ناضر ، ثم أتيت بخبز أرز كأنه قطع العقيق ، وسمك جراني بيض البطون ، زرق العيون ، سود المتون ، عراض السّرر : غلاظ القصر ، ودقة وخلول ، ومري وبقول ، ثم أتيت برطب أصفر صاف غير أكدر لم تبتدله الأيدي ، ولم تهتشمه كيل المكاييل ، فأكلت هذا ثم هذا ، قال يزيد : يا ابن صفوان لألف جريب من كلامك ، خير من ألف جريب مزروع . علم المنصور ابنه صالحا خطبة فقام بها في الناس في مجلسه فلم يشيّع كلامه أحد خوفا من المهديّ ، فبدأ شبّة بن عقال المجاشعي من الصف فقال : واللّه ما رأيتك اليوم خطيبا أبلّ ريقا ولا أنبض عروقا ولا أثبت جنابا ولا أعذب لسانا ، وقليل ذلك لمن كان أمير المؤمنين أباه والمهدي أخاه ، هو كما قال الشاعر « 6 » : [ البسيط ] هو الجواد فإن يلحق بشأوهما * على تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهل * فمثل ما قدّما من صالح سبقا
--> ( 1 ) الصنبر : الشديد الحر . ( 2 ) الثفال : البطيء . ( 3 ) الشملة الفلوت : التي لا تكاد تثبت على لابسها لأنها ضيقة أو قصيرة ، لا ينضم طرفاها فهي تنفلت عنه كل ساعة . ( 4 ) الضيمران : هو الريحان الفارسي . ( 5 ) السمسق : الياسمين . ( 6 ) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 39 .