أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
85
نثر الدر في المحاضرات
أنّه عدوّ أمير المؤمنين وعدوّك وقد أراح اللّه منه حيث لم تتّهموا فيه ، وأخاف أن تتبعكم الأتراك عند أوّل شغبة به ، ويطالبوكم بدمه . ويجعلوا ذلك ذريعة إلى إيقاع سوء ، وكان الصّواب عندي أن يغسله أمير المؤمنين ويصلّي عليه ، ويدفنه ويظهر حزنا ، ويقول : ما أحبّ أن يصاب صغير منكم ولا كبير ، وقد غمّني أمر بغا ولو وصل إليّ لزدت في مرتبته ، وما يشبه هذا . فورد عليّ كتاب أحمد بن إسرائيل يشكر ما كان منّي ويحلف أنّه سبقني إلى هذا الرأي ، واجتهد فيه ، فما أمكنه إلّا أن يفعل ما فعل ، ولم يقبل قوله . وفي آخر كتابه . واعلم أنّه قد حدث بعدك وهو مما لا نعرفه نحن ، ولا أنت - رأي للحرم والخدم يقبل ويعمل عليه ، وهذا فتح للخطإ وإغلاق للصّواب فانصب الرأس قليلا ، ثمّ أنفذه إلى خراسان . كتب إلى جعفر بن يحيى أنّ صاحب الطريق قد اشتطّ فيما يطلب من الأموال ، فوقّع جعفر : هذا رجل منقطع عن السلطان ، وبين ذؤبان العرب ، بحيث العدد والعدّة ، والقلوب القاسية ، والأنوف الحمية ، فليمدد من المال بما يستصلح به من معه ليدفع به عدوّه فإن نفقات الحروب يستظهر لها ولا يستظهر عليها . وأكثر الناس شكية عامل فوقع إليه في قصّتهم يا هذا قد كثر شاكوك ، وقلّ حامدوك ، فإمّا عدلت وإمّا اعتزلت . وكان يقول : إن قدرتم أن تكون كتبكم كلّها توقيعات فافعلوا . كتب الفضل بن سهل في كتاب جواب ساع : ونحن نرى ، أنّ قبول السّعاية شر من السعاية ، لأنّ السعاية دلالة ، والقبول إجازة ، فاتقوا الساعي فإنّه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه لئيما ، إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة . كان يحيى بن خالد يقول : من تسبّب إلينا بشفاعة في عمل فقد حلّ عندنا محلّ من ينهض بغيره ، ومن لم ينهض بنفسه ، لم يكن العمل أهلا . قال ثمامة : كان جعفر بن يحيى أنطق الناس ، قد جمع الهدوّ والتمهّل والجزالة ، والحلاوة ، وإفهاما يغنيه عن الإعادة ، ولو كان في الأرض ناطق يستغني عن الإشارة لاستغنى جعفر عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة .