أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
8
نثر الدر في المحاضرات
الذي أعطاناه ونذود عنكم بفيء اللّه الذي خوّلنا . فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ، ولكن علينا العدل فيما ولينا . فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا . واعلموا أنّي مهما قصّرت عنه فلن أقصّر عن ثلاث : لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ، ولو أتاني طارقا بليل ، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبانه ، ولا مجمّرا « 1 » لكم بعثا ؛ فادعوا اللّه بالصلاح لأئمّتكم ، فإنهم ساستكم المؤدّبون ، وكهفكم الذي إليه تأوون . ومتى صلحوا تصلحوا ، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتدّ لذلك غيظكم ، ويطول لذلك حزنكم ، ولا تدركوا حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم فيهم كان شرا لكم . أسأل اللّه أن يعين كلّا على كلّ . وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله « 2 » ، وأيم اللّه إن لي فيكم لصرعى كثيرة . فليحذر كل امرئ أن يكون من صرعاي . قال : فقام عبد اللّه بن الأهتم ، فقال : أشهد أيّها الأمير لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب . فقال له : كذبت . ذاك نبيّ اللّه داود صلّى اللّه عليه وسلّم . فقام إليه الأحنف بن قيس ، فقال : إنما الثناء بعد البلاء ، والحمد بعد العطاء ، وإنا لا نثني حتّى نبتلي ، ولا نحمد حتّى نعطى . فقال زياد : صدقت . قال : فقام أبو بلال يهمس وهو يقول : أنبأنا اللّه - جل وعز - بغير ما قلت : قال اللّه تبارك وتعالى : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( 38 ) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ( 41 ) [ النجم : 37 - 41 ] وأنت تزعم أنك تأخذ الصحيح بالسقيم ، والطبع بالعاصي ، والمقبل بالمدبر . فسمعها زياد ، فقال : إنّا لا نبلغ ما نريد بأصحابك حتّى نخوض إليكم الباطل خوضا .
--> ( 1 ) جمّر الجيش : حبسهم في أرض العدو ، ولم يقفلهم ، وقد تجمّروا واستجمروا . ( 2 ) على أذلاله : أي على وجوهه وطرقه ، وأذلال جمع ذلك بالكسر ، وذل الطريق : ما مهد منه وذلل .