أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
230
نثر الدر في المحاضرات
اشترى بعض الهاشميّين غلاما فصيحا فبلغ الرّشيد خبره ، فأرسل إليه يطلبه ، فقال يا أمير المؤمنين : لم أشتره إلّا لك ، فلمّا وقف الغلام بين يدي الرّشيد قال له : إنّ مولاك قد وهبك لي . فقال الغلام : يا أمير المؤمنين ما زلت ولا زلت . قال : فسّر . فقال : ما زلت لك وأنا في ملكه ولا زلت عن ملكه ، فأعجب الرّشيد به وقدّمه . قال أبو العيناء : مررت بسوق النخّاسين « 1 » بالبصرة ، فإذا غلام ينادى عليه ثلاثين دينارا والغلام يساوي خمسمائة دينار ، فاشتريته وكنت أبني دارا فدفعت إليه عشرين دينارا على أن ينفقها ، فلم أزل أصك عليه حتّى أنفق نحو العشرة ، ثم صككت بشيء آخر ، فقال لي : فأين أصل المال ؟ قلت : ارفع إليّ حسابك ، فرفع حسابا بعشرة دنانير . فقلت : فأين الباقي ؟ قال : اشتريت ثوبا مصمتا « 2 » وقطعته . قلت : من أمرك بهذا ؟ قال : إنّ أهل المروّات والأقدار لا يعيبون على غلمانهم إذا فعلوا فعلا يعود زينة عليهم . قال : فقلت في نفسي : اشتريت الأصمعيّ وابن الأعرابيّ ولم أدر ، وكانت في نفسي امرأة أردت تزوّجها فقلت : يا غلام فيك خير . قال : وهل الخير إلّا فيّ . فقلت له : قد عزمت على كذا . وتزوجتها ودفعت إلى الغلام دينارا وقلت له : خذ لنا سمكا هازبي ، فأبطأ واشترى مارماهي فأنكرت عليه خلافي . فقال : يا مولاي : فكّرت فإذا بقراط يقول : الهازبي يولّد السّوداء والمارماهي أقلّ غائلة . قلت : لا الذي بقراط أنت أم جالينوس ، وأدخلته البيت وضربته عشرة ، فلما قام أخذني وضربني سبعة وقال : يا مولاي الأدب ثلاثة وسبعة لها قصاص ، فغاظني ورميته فشججته ، فمضى إلى ابنة عمي وقال لها : « الدين النصيحة » وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من غشّنا فليس منّا » . وقال : « مولى القوم منهم » : وأعلمك أنّ مولاي تزوّج واستكتمني ، فلمّا أعلمته أني معرّفك ما فعل شجّني ، فوجّهت إليّ بنت عمّي بغلمان ، فبطحت في
--> ( 1 ) النخاسة : تجارة الرقيق . ( 2 ) الثوب المصمت : الذي لا يخالط لونه لون آخر .