أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

213

نثر الدر في المحاضرات

فلما حاذى حائط البستان . وثب ، فصار عليه . فغطى سالم بناته بثوبه ، وقال : بناتي بناتي . فقال أشعب : إنك لتعلم ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ [ هود : 79 ] . قيل : بغت أمّ أشعب ، فضربت ، وحلقت ، وحملت على بعير يطاف بها ، وهي تقول : من رآني فلا يزنينّ ، فأشرفت عليها ظريفة من أهل المدينة ، فقالت لها : إنك لمطاعة ! نهانا اللّه عنه ، فما ندعه ، وندعه لقولك . كان زياد بن عبد اللّه الحارثي ، على شرطة المدينة ، وكان مبخّلا على الطّعام فدعا أشعب في شهر رمضان ليفطر عنده ، فقدّمت إليه في أول ليلة بصليّة معقودة ، وكانت تعجبه ، فجعل أشعب يمعن فيها - وزياد يلمحه - فلما فرغوا من الأكل قال زياد : ما أظنّ أن لأهل السّجن إماما يصلّي بهم في هذا الشهر فليصلّ بهم أشعب . فقال أشعب : لو غير ذلك - أصلحك اللّه ؟ قال : وما هو ؟ قال : أحلف أنّي لا أذوق بصليّة أبدا . فخجل زياد ، وتغافل عنه . قال أشعب : جاءتني جارية بدينار ، وقالت هذه وديعة عندك فجعلته بين ثني الفراش ، فجاءت بعد أيّام فقالت : بأبي الدينار . فقلت : ارفعي الفراش ، وخذي ولده . وكنت تركت إلى جنبه درهما ، فتركت الدينار ، وأخذت الدرهم وعادت بعد أيام فوجدت معه درهما آخر ، فأخذته . وعادت في الثّالثة كذلك ، فلما رأيتها في الرابعة بكيت ، فقالت : ما يبكيك ؟ قلت : مات دينارك في النّفاس ، قالت : وكيف يكون للدينار نفاس ؟ قلت : يا فاسقة تصدّقين بالولادة ، ولا تصدقين بالنّفاس ! سأل سالم بن عبد اللّه بن عمر أشعب عن طمعه ، فقال : قلت لصبيان مرّة : اذهبوا هذا سالم قد فتح بيت صدقة عمر حتّى يطعمكم تمرا ، فلمّا احتسبوا ظننت أنه كما قلت لهم ، فغدوت في أثرهم . وقيل له : ما بلغ من طمعك ؟ قال : أرى دخان جاري فأثرد . وقيل له أيضا : ما بلغ من طمعك ؟ قال : لم أر اثنين قطّ يتسارّان إلّا ظننت أنهما يأمران لي بشيء .