أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

19

نثر الدر في المحاضرات

متى تجمع القلب الذكيّ وصارما * وأنفا حميّا تجتنبك المظالم أما واللّه لا تقرع عصا عصا إلا جعلتها كأمس الذّاهب . قال مالك بن دينار « 1 » : ربّما سمعت الحجاج يذكر ما صنع به أهل العراق ، وما صنع بهم ، فيقع في نفسي أنهم يظلمونه لبيانه ، وحسن تخلّصه للحجج . وخطب الحجاج مرة فقال : اللهم أرني الغيّ غيّا فأجتنبه ، وأرني الهدى هدى فأتبعه ، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ضلالا بعيدا . واللّه ما أحب أن ما مضى من الدنيا بعمامتي هذه ، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء . وخطب بعد دير الجماجم فقال : يا أهل العراق ، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب والمسامع ، والأطراف ، والأعضاء ، والشغاف ، ثم أفضى إلى الأمخاخ والأصماخ ، ثم ارتفع فعشش ، ثم باض ففرخ ، فحشاكم نفاقا وشقاقا ، وأشعركم خلافه . اتخذتموه دليلا تتبعونه ، وقائدا تطيعونه ، ومؤامرا تستشيرونه . فكيف تنفعكم تجربة ، أو تعظكم وقعة ، أو يحجزكم إسلام ، أو ينفعكم بيان ؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر ، وسعيتم بالغدو ، واستجمعتم للكفر ، وظننتم أن اللّه يخذل دينه وخلافته ، وأنا أرميكم بطرفي ، وأنتم تتسللون لواذا ، وتنهزمون سراعا ؟ ثم يوم الزاوية ، وما يوم الزّاوية ! ! بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وتجادلكم ، وبراءة اللّه منكم ، ونكوص وليّكم عنكم ؛ إذا وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها ، النوازع إلى أعطانها . لا يسأل المرء عن أخيه ، ولا يلوي الشيخ على بنيه ، حين عضكم السلاح ، ووقصتكم الرّماح .

--> ( 1 ) هو مالك بن دينار ، مولى لبني ناجية بن سامة بن لؤي بن غالب القرشي ، كنيته أبو يحيى ، من أهل البصرة ، يروي عن أنس بن مالك ، وكان من الزهاد التابعين والأخيار الصالحين ، وكان يكتب المصاحف بالأجرة ، ويتقوت بأجرته ، وكان يجانب الإباحات جهده ، ولا يأكل شيئا من الطيبات . وكان من المتعبدة والمتقشفة الخشن ، مات سنة 123 ه ، ويقال : سنة 130 ه ، ويقال : سنة 131 ه ، وقيل : سنة 127 ه ، والصحيح أنه مات قبل الطاعون ، وكان الطاعون سنة 131 ه . وفي البداية والنهاية توفي سنة 128 ه . ( انظر كتاب الثقات لابن حبان 5 / 383 - 384 ، والبداية والنهاية 10 / 27 ، والطبقات الكبرى لابن سعد 7 / 180 ) .