أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
20
نثر الدر في المحاضرات
ثم دير الجماجم ، وما دير الجماجم ! ! بها كانت المعارك والملاحم ، بضرب يزيل الهام عن مقيله ، ويذهل الخليل عن خليله . يا أهل العراق ، الكفرات بعد الفجرات ، والغدرات بعد الخترات ، والنزوة بعد النزوات ! ! إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم وجبنتم ، وإن أمنتم أرجفتم ، وإن خفتم نافقتم لا تتذاكرون حسنة ، ولا تشكرون نعمة . هل استخفّكم ناكث أو استغواكم غاو ؟ أو استفزكم عاص ، أو استنصركم ظالم ، أو استعضد بكم خالع ، إلا تبعتموه ، وآويتموه ونصرتموه وزكّيتموه ؟ يا أهل العراق ؛ هل شغب شاغب ، أو نعب ناعب ، أو زفر كاذب إلا كنتم أتباعه وأنصاره ؟ يا أهل العراق ؛ أو لم تنهكم المواعظ ، ولم تزجركم الوقائع ؟ ثم التفت إلى أهل الشّام فقال : يا أهل الشام : إنّما أنا لكم كالظّليم الرامح عن فراخه ينفى عنها القذر ، ويباعد عنها الحجر ، ويكنّها من المطر ويحميها من الضّباب ، ويحرسها من الذّئاب . يا أهل الشام ، أنتم الجنّة والرّداء ، وأنتم العدّة والحذاء . هذه خطبة أخرى : قال مالك بن دينار : غدوت إلى الجمعة ، فجلست قريبا من المنبر ، فصعد الحجاج . ثم قال : امرؤ زوّر عمله ، وامرؤ حاسب نفسه ، امرؤ فكّر فيما يقرؤه غدا في صحيفته ، ويراه في ميزانه . امرؤ كان عند قلبه زاجر ، وعند همّه آمر ، آخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام جمله ، فإن قاده إلى طاعة اللّه تبعه ، وإن قاده إلى معصية اللّه كفه . وكان يقول : إنا واللّه ما خلقنا للفناء ، وإنما خلقنا للبقاء ، ولكن تنقل من دار إلى دار . وخطب يوما فقال : « إن اللّه أمرنا بطلب الآخرة ، وكفانا مئونة الدنيا ، فليتنا كفينا مئونة الآخرة ، وأمرنا بطلب الدنيا » . فقال الحسن : ضالة المؤمن خرجت من قلب المنافق .