أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
79
نثر الدر في المحاضرات
فانطلق إليه وخلا به وأعلمه شأنه ، وشرح له قصّته فقال له أبو حنيفة : لا تعلم بهذا أحدا ، وامض راشدا ، وعد إليّ غدا . فلمّا أمسى أبو حنيفة جلس كعادته للنّاس ، وجعل كلّما سئل عن شيء تنفّس الصعداء . فقيل له في ذلك فقال : إنّ هؤلاء - يعني السّلطان - قد احتاجوا إلى رجل يبعثونه قاضيا إلى مكان . وقالوا : لي : اختر من أحببت . ثم أسبل كمّه وخلا بصاحب الوديعة ، وقال له : أترغب حتى أسمّيك . فذهب يتمنّع تحلية . فقال له أبو حنيفة : اسكت فإني أبلغ لك ما تحبّ . فانصرف الرّجل مسرورا يظنّ الظّنون بالجاه العريض ، والحال الحسنة . وصار ربّ المال إلى أبي حنيفة فقال : امض إلى صاحبك ولا تخبره بما بيننا ، ولوّح بذكري وكفاك ، فمضى الرّجل واقتضاه وقال له : أردد علي مالي وإلا شكوتك إلى أبي حنيفة . فلما سمع ذلك وفّاه المال . وصار الرّجل إلى أبي حنيفة وأعلمه رجوع المال إليه فقال له : استره عليه . ولما غدا الرجل إلى أبي حنيفة طامعا في القضاء نظر إليه أبو حنيفة وقال له : نظرت في أمرك فرفعت قدرك عن القضاء . قال أبو يوسف : بقيت على باب الرّشيد حولا لا أصل إليه ، حتى حدثت مسألة . وذلك أنّ بعض أهله كانت له جارية ، فحلف أنّه لا يبيعها إياه ولا يهبها له . وأراد الرّشيد شراءها ، فلم يجد أحدا يفتيه في ذلك . فقلت لابن الربيع : أعلم أمير المؤمنين أنّ بالباب رجلا من الفقهاء عنده الشّفاء من هذه الحادثة . فدخل فأخبره ، فأذن لي ، فلما وصلت مثلت ، فقال : ما تقول ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، أقوله لك وحدك أو بحضرة الفقهاء ؟ قال : بل بحضرة الفقهاء ، ليكون الشّك أبعد ، وأمر فحضر الفقهاء ، وأعيد عليهم السؤال . فكلّ قال : لا حيلة عندنا فيه ، فأقبل أبو يوسف فقال : المخرج منها أن يهب لك نصفها ، ويبيعك نصفها ، فإنه لا يقع الحنث . فقال القوم : صدق . فعظم أمري عند الرّشيد ، وعلم أنّي أتيت بما عجزوا عنه . كان المغيرة بن شعبة من كبار المدمنين للشّراب ، فقال لصاحب له يوم خيبر : قد قرمت إلى الشراب . ومعي درهمان زائفان فأعطني زكرتين « 1 » . فأعطاه .
--> ( 1 ) الزكرة : وعاء للخمر والخل .