أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
78
نثر الدر في المحاضرات
غلام : اخرج إليّ أسائلك . فنظر الغلام فعرف شبيبا . فقال : إني أخاف . فهل أنا آمن إلى أن أخرج وألبس ثيابي ؟ قال : نعم . قال : فو اللّه لا ألبسها اليوم ولا أخرج . فقال شبيب : أوه ، خدعني الغلام . وأمر رجلا بحفظه لئلا يصيبه أحد بمعرّة ومضى ، وسلم الغلام . قال الأعمش « 1 » : أخبرني تميم بن سلمة أن رجلا شهد عند شريح وعليه جبّة ضيّقة الكمّين . فقال شريح : أنتوضأ وعليك جبّتك هذه ؟ قال : احسر عن ذراعك ، فحسر ، فلم يبلغ كمّ جبّته إلى نصف السّاعد . فردّ شهادته . قدّمت امرأة زوجها إلى أبي عمر القاضي ، وادّعت عليه مالا ، فاعترف به فقالت : أيّها القاضي خذ بحقّي ولو بحبسه . فتلطّف لها لئلا تحبسه ، فأبت إلّا ذلك ، فأمر به ، فلما مشى خطوات صاح أبو عمر بالرجل وقال له : ألست ممّن لا يصبر على النساء ؟ ففطن الرّجل فقال : بلى أصلح اللّه القاضي . فقال : خذها معك إلى الحبس . فلمّا عرفت الحقيقة ندمت على لجاجها وقالت : ما هذا أيّها القاضي ؟ قال : لك عليه حقّ ، وله عليك حقّ . ومالك عليه لا يبطل ما له عليك . فعادت إلى السّلاسة والرّضا . أخذ عبد الملك رجلا كان يرى رأي الخوارج فقال له : ألست القائل « 2 » : [ الطويل ] ومنّا سويد والبطين وقعنب * ومنّا أمير المؤمنين شبيب فقال إنما قلت : ومنّا أمير المؤمنين . وناديتك ، فخلّى سبيله . كان يختلف إلى أبي حنيفة رجل يتحمّل بالسّتر الظّاهر ، والسّمت البين فقدم رجل غريب وأودعه مالا خطيرا ، وخرج حاجّا ، فلمّا عاد طالبه بالوديعة فجحده ، فألح الرّجل عليه فتمادى ، فكاد صاحب المال يهيم ، ثم استشار ثقة له فقال له : كفّ عنه ، وصر إلى أبي حنيفة ، فدواؤك عنده .
--> ( 1 ) الأعمش : هو سليمان بن مهران الأعمش ، أبو محمد الأسدي الكوفي ، ولد سنة 60 ه ، وتوفي سنة 148 ه ( غاية النهاية في طبقات القراء 1 / 315 ) . ( 2 ) البيت لعتبان بن أصيلة الشيباني في شعر الخوارج ص 64 ، وللشيباني في جمهرة اللغة ص 361 .