أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

61

نثر الدر في المحاضرات

تزر به صعلة « 1 » ، وسيما قسيما في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف « 2 » وفي صوته صحل « 3 » ، وفي عنقه سطع « 4 » ، وفي لحيته كثافة ، أحور أكحل ، أزجّ « 5 » أقرن « 6 » ، إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلّم سما وعلاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحلاه وأحسنه من قريب ، حلو المنطق ، فصل لا نزر ولا هذر ، كأنّ منطقه خرزات نظم تتحدّرن : ربعة لا تشنؤه من طول ، ولا تقتحمه العين من قصر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا له ، رفقاء يحفّون به ، إن قال : أنصتوا لقوله ، وإن أمر تبادروا إلى أمره ، محفود « 7 » محشود « 8 » لا عابس ولا مفنّد صلّى اللّه عليه وسلّم . قال أبو معبد : هو واللّه صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكّة ما ذكر . ولو كنت وافقته لالتمست صحبته ، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا . وصية أخرى لأعرابية قال أبان بن تغلب : سمعت امرأة توصي ابنا لها وأراد سفرا فقالت : أي بني ، أوصيك بتقوى اللّه ، فإنّ قليله أجدى عليك من كثير عقلك ، وإياك والنمائم . فإنها تورث الضغائن ، وتفرّق بين المحبّين ، ومثّل لنفسك مثال ما تستحسن لغيرك ثمّ اتّخذه إماما ، وما تستقبح من غيرك فاجتنبه ، وإيّاك والتعرّض للعيوب فتصير نفسك غرضا ، وخليق ألا يلبث الغرض على كثرة السهام ، وإياك والبخل بمالك ، والجود بدينك . فقالت أعرابية معها : أسألك إلّا زدته يا فلانة في وصيّتك قالت : أي واللّه ؛ والغدر أقبح ما يعامل به الإخوان ، وكفى بالوفاء جامعا لما تشتّت من الإخاء ومن جمع العلم والسخاء فقد استجاد الحلّة ، والفجور أقبح خلّة وأبقى عارا . وصف امرأة عروة له قامت امرأة عروة بن الورد العبسي بعد أن طلّقها في النادي فقالت : أما إنّك

--> ( 1 ) الصعلة : صغر الرأس . ( 2 ) الوطف : طول الأهداب . ( 3 ) الصحل : البحة . ( 4 ) السطع : الطول . ( 5 ) الزجج : تقوس في الحواجب مع طول وامتداد . ( 6 ) الأقرن : المقترن الحواجب . ( 7 ) المحفود : من الحفدة ، وهم الأعوان . ( 8 ) المحشود : من الحشد ، والمعنى أن الناس يحفون به ويخدمونه لأنه مطاع فيهم .