أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

30

نثر الدر في المحاضرات

جهولا ولا خرقا . ولقي العباس من عاتكة فيما أفشى عليها من رؤياها أذى شديدا . فلما كان مساء الليلة الثالثة من الليالي التي رأت فيها عاتكة الرؤيا جاءهم الراكب الذي بعث به أبو سفيان وهو ضمضم بن عمرو الغفاري فصرخ : يا آل غالب بن فهر ؛ انفروا فقد خرج محمد صلّى اللّه عليه وأهل يثرب لأبي سفيان فاحذروا عيركم . ففزعت قريش أشدّ الفزع وأشفقوا من رؤيا عاتكة . وقال العباس : هذا زعمتم كذبي وكذب عاتكة ، فنفروا على كل صعب وذلول ، فأظفر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه ببدر . فاطمة بنت عبد الملك بن مروان « 1 » روي عن عطاء قال : قلت لفاطمة بنت عبد الملك : أخبريني عن عمر بن عبد العزيز . قالت : أفعل ، ولو كان حيّا ما فعلت . إنّ عمر رحمه اللّه كان قد فرّغ للمسلمين نفسه ، ولأمورهم ذهنه ، فكان إذا أمسى مساء لم يفرغ فيه من حوائج الناس في يومه دعا بسراجه الذي كان يسرج له من ماله ثم صلّى ركعتين ، ثم أقعى واضعا رأسه على يديه ، تسيل دموعه على خدّيه يشهق الشّهقة تكاد ينصدع لها قلبه ، أن تخرج لها نفسه ، حتى يرى الصبح . وأصبح صائما فدنوت منه فقلت : يا أمير المؤمنين ؛ ألشيء كان منك ما كان ؟ قال : أجل ، فعليك بشأنك ، وخلّيني وشأني . فقلت : إني أرجو أن أتّعظ . قال : إذا أخبرك ، إني نظرت قد وجدتني وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها ، ثم ذكرت الفقير الجائع ، والغريب الضّائع ، والأسير المقهور ، وذا المال القليل والعيال الكثير ، وأشياء من ذلك في أقاصي البلاد وأطراف الأرض ، فعلمت أن اللّه عز وجل سائلي عنهم ، وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه حجيجي ، لا يقبل اللّه مني فيهم معذرة ، ولا يقوم لي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حجة ، فرحمت واللّه يا فاطمة نفسي رحمة دمعت لها عيني ، ورجع لها قلبي ، فأنا كلّما ازددت ذكرا ازددت خوفا فأيقظي أو دعي .

--> ( 1 ) هي فاطمة بنت عبد الملك بن مروان ، زوج الخليفة عمر بن عبد العزيز ، توفيت في خلافة هشام بن عبد الملك ( تاريخ الإسلام 4 / 290 ، جمهرة أنساب العرب ص 88 ) .