أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
211
نثر الدر في المحاضرات
عبد الأعلى والاشتقاق كان عبد الأعلى القاصّ يتكلّف لكلّ شيء اشتقاقا فقال : الكافر إنّما سمّي كافرا لأنّه اكتفى وفرّ . قيل له : بما ذا اكتفى ومن أيّ شيء فرّ ؟ قال : اكتفى بالشّيطان وفرّ من اللّه . وقال سمّي الزّنديق زنديقا لأنّه وزن فدقّق . وسمّي البلغم بلغما لأنّه بلاء وغمّ ، وسمّي الدرهم درهما لأنّه داء وهمّ . وسمّي الدينار دينارا لأنّه دين ونار . وسمّي العصفور عصفورا لأنّه عصا وفرّ . وسمّى الطّفبشل طفبشلا لأنّه طفا وشال . وسمي نوح نوحا لأنّه كان ينوح على قومه . وسمّي المسيح مسيحا لأنه مسح الأرض . جاء رجل إلى بعضهم فقال : أفطرت يوما من شهر رمضان ساهيا ، فما عليّ ؟ قال : تصوم يوما مكانه . قال : فصمت . فأتيت أهلي وقد عملوا حيسا ، فسبقتني يدي إليه فأكلت منه . قال : تقضي يوما آخر . قال : فقضيت يوما مكانه ، وأتيت أهلي وقد عملوا هريسا فسبقتني يدي إليه فأكلت منه فما ترى ؟ قال : أرى ألا تصوم إلّا ويدك مغلولة إلى عنقك . ماتت أمّ ابن عياش فأتاه سيفويه معزّيا فقال : يا أبا محمّد ، عظم اللّه مصيبتك . فتبسّم ابن عيّاش وقال : قد فعل . فقال : يا أبا محمّد ؛ هل كان لأمّك ولد ؟ فقام ابن عيّاش من مجلسه وضحك حتّى استلقى على قفاه . قال الجاحظ : كان عبد العزيز الغزال يقول في قصصه : ليت أنّ اللّه لم يكن خلقني وأنّي السّاعة مقطوع اليدين والرّجلين . وذكر أنّ أبا سعيد الرفاعي سئل عن الدنيا والدائسة . فقال : أما الدنيا فهذه التي أنتم فيها وأمّا الدائسة فهي دار نائية من هذه الدار ، لم يسمع أهلها بهذه الدار ولا بشيء من أمرها ، وكذلك نحن نسمع بذكر تلك الدار ؛ إلّا أنّه قد صحّ عندنا أنّ بيوتهم من قثاء ، وسقوفهم من قثاء ، وأنعامهم من قثاء وأنفسهم من قثاء وقثّاءهم أيضا من قثاء . قالوا : يا أبا سعيد ؛ زعمت أنّ أهل تلك الدار لم يسمعوا بأهل هذه الدار ولا بشيء من أمرها ، وكذلك نحن لهم ، وأراك تخبرنا عنهم بأخبار كثيرة : قال : فمن ثمّ أنا أعجب أيضا . قال الجاحظ : كان عندنا بالبصرة قاص لا يحفظ شيئا سوى حديث جرجيس ، فقصّ يوما فبكى رجل من النّظّارة ، فقال القاص : أنتم لأيّ شيء تبكون ؟ إنّما البلاء علينا معاشر العلماء .