أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
180
نثر الدر في المحاضرات
لا يخطرنّ للملك أنه إن استشار الرّجال ظهرت منه الحاجة إلى رأي غيره ، فإنّه ليس يريد الرأي للافتخار به ، وإنما يريده للانتفاع به . قال حذيفة : إيّاكم ومواقف الفتن ، فإنّ أبواب الأمراء ، يدخل الداخل على الأمير فيقول له الباطل ليرضيه . قال ابن المقفّع : لتكن حاجتك في الولاية ثلاث خصال : رضا ربّك ورضا سلطانك ، ورضا صالح من تلي عليه . ولا عليك أن تلهو عن المال والذّكر . فسيأتيك منهما ما تكتفي به . إن ابتليت بصحبة وال لا يريد صلاح رعيّته ، فاعلم أنّك خيّرت بين خلّتين ليس فيهما خيار ، إمّا الميل على الرّعية فهو هلاك الدين ، وإمّا الميل على الوالي مع الرّعية فهو هلاك الدنيا . تبصّر ما في الدنيا من الأخلاق التي تحبّ أو تكره ، ثم لا تكابره بالتحويل له عما يحبّ ويكره ؛ فإنّ هذه رياضة صعبة تحمل على الإباء والقلى ، قلّما يقدر على نقل رجل عن طريقته التي هو عليها بالمكابرة ، ولكن تقدر أن تعينه على أحسن مذاهبه ، فإنّك إذا قويت له المحاسن كانت هي التي تبصره المساوئ بألطف من تبصيرك في نفسه . إن كان سلطانك على جدّة دولة فرأيت أمرا استقام بغير رأي ، وعملا استتبّ بغير حزم ، وأعوانا أجيزوا بغير نيل ، فلا يغرّنّك ذلك ولا تستنيمنّ إليه ؛ فإنّ الأمور تصير إلى حقائقها وأصولها . وما بني منها على غير أصل وثيق ، ودعائم محكمة ، أوشك أن يتداعى وينصدع . لا تطلبنّ من قبل السلطان بالمسألة ، ولكن اطلبه بالاستحقاق ، واستأن به ولا تستبطئه ؛ فإنّك إذا استحققت ما عنده أتاك عن غير طلب ، وإن لم تستبطئه كان أعجل له . اعلم أنّ السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسي الأوّل ، وأنّ أرحامه مقطوعة ، وحباله مصرومة إلّا عمّن رضي عنه . إيّاك أن يقع في قلبك التعنّت على الوالي ، والاستزادة له ؛ فإنّ ذلك إذا وقع