أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
179
نثر الدر في المحاضرات
كافيا محتاطا ، ومن ورائها ذابا ناصرا ، يعنيه من صلاحها ما لا يعنيه من صلاح نفسه دونها . مثل الملك الصّالح إذا كان وزيره فاسدا مثل الماء الصّافي العذب الذي فيه التماسيح ؛ لا يستطيع الإنسان وإن كان سابحا ، وإلى الماء ظامئا ، دخوله حذرا على نفسه . لا ينبغي للوالي أن يسرع إلى حبس من يكتفى له بالجفاء والوعيد . ينبغي للوالي أن يكون عالما بأمور عمّاله ، فإنّ المسئ يخاف خبرته قبل أن تنزل به عقوبته ، والمحسن يستبشر بعمله قبل أن يأتيه معروفه . ينبغي للوالي أن تعرفه رعيته بالأناة ، وألا يعجل بالعقاب ولا بالثّواب ؛ فإنّ ذلك أدوم لخوف الخائف ، ورجاء الراجي . ينبغي للوالي أن تعلم رعيته أنه لا يصاب خيره إلّا بالمعونة له على الخير ، فإن الناس إذا علموا ذلك تصنّعوا ، والمتصنّع لا يلبث أن يلحق بأهل الفضل . من طلب ما عند السلطان والنساء بالشّدّة بعد عنه ما يطلب ، وفاته ما يلتمس . ودخل محمد بن كعب القرظي على عمر بن عبد العزيز حين استخلف فقال له : إني مستعين بك على عملي . قال : لا . ولكني سأرشدك : أسرع الاستماع ، وأبطئ في التّصديق ، حتى يأتيك واضح البرهان ، ولا تعملنّ سجنك فيما يكتفى به بلسانك ، ولا تعملنّ سوطك فيما يكتفى فيه بسجنك ولا تعملنّ سيفك فيما يكتفى فيه بسوطك . كان بعضهم يوصي عمّاله فيقول : سوسوا الناس بالمعدلة ، واحملوهم على النّصفة ، واحذروا أن تلبسونا جلودهم أو تطعمونا لحومهم ، أو تسقونا دماءهم . بالولاية يعرف الرّجل الحازم . إذا أردت أن يقبل الوالي مشورتك فلا تشبه بشيء من الهوى ؛ فإن الرّأي يقبل ، والهوى يردّ .