أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
88
نثر الدر في المحاضرات
فقال : ثق بالنجاح إن شاء اللّه . ثم أمر لي بألف دينار وكسوة وطيب . وكان الواثق عالما بكلّ شيء ، وله صنعة حسنة في الغناء ، وكان يسمّى المأمون الصغير ؛ لأدبه وفضله ، وكان المأمون يجلسه ، وأبوه المعتصم واقف . وكان يقول : يا أبا إسحاق لا تؤدّب هارون ، فأنى أرضى أدبه ، ولا تعترض عليه في شيء يفعله . قال حمدون : ما كان في الخلفاء أحلم من الواثق ، ولا أصبر على أذى وخلاف . كان يعجبه غناء أبي حشيشة الطنبوريّ ، فوجد المسدود من ذلك . فكان يبلغه عنه ما يكره ، فيتجاوزه . وكان المسدود قد هجاه ببيتين كانا معه في رقعة ، وفي رقعة أخرى حاجة له يريد أن يرفعها إليه ، فناوله رقعة الشعر ، وهو يرى أنها رقعة الحاجة ، فقرأها الواثق ، فإذا فيها : [ الهزج ] من المسدود في الأنف * إلى المسدود في العين أنا طبل له شقّ * فيا طبلا بشقّين فلما قرأ الرقعة علم أنها فيه ، فقال للمسدود : قد غلطت بين الرقعتين فاحذر أن يقع مثل هذا عليك . ما زاده على هذا القول شيئا ، ولا تغيّر له عمّا كان عليه . دخل هارون بن زياد مؤدّبه عليه ، فأكرمه وأظهر من برّه ما شهّره به ، فقيل له : يا أمير المؤمنين : من هذا الذي فعلت به ما فعلت ؟ قال : هذا أول من فتق لساني بذكر اللّه ، وأدناني من رحمته . قال يحيى بن أكثم : لم يحسن أحد من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب إحسان الواثق ؛ ما مات وفيهم فقير . قال بعضهم : كنّا في دار الواثق ، فرفع إليه أنّ رجلا ممّن يعطي الجند أرزاقهم سأل بعض الجند أن يقدمه ، وألحّ عليه فأبى وقال : إني أستشفع عليك . فقال : لو شفع لك النبيّ محمد - صلى اللّه عليه وسلّم - ما شفّعته . قال : فرأيت الواثق يرتعد غيظا ، وأمر بإحضار الرجل فأدخل . فقال للذي قرفه : قل له ما قلت في وجهه ، فأعاد ، فتلوّى الرجل ساعة وأنكر ، فقال الواثق : لولا أن في خطأ لفظك إشارة إلى صواب معناك في الإقرار بالنّبوّة ، واستعظامك ، ووضعك