أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

68

نثر الدر في المحاضرات

وتملك عليه أمره ، وهي أقبح من السحر ، وأسمج من القرد ، وأهرّ من الكلب ، وأشدّ تعدّيا من الليث العادي ؛ فيريد شراء جارية أو تزوّج حرة ، فلا يقدر على ذلك لمكانها ، حتى يستريح إلى مثل هذا من الفتيان ويغشى منزل أمثاله من الأحرار ؛ فيجعله سكنه ، وينزل به مهمّه ؛ فيساعده على حاجته ، ويسعى له فيما يحبّ من لذّته ، ويستره بمنزله . اكتبوا في إطلاقه والسؤال عن حاله ؛ فإن كان كما ذكر عنه من السّتر ، وكان صادقا فيما حكى عن نفسه من الفعل ، أعين على مروءته بألف دينار ، وأومن من روعته ، وعرّف ما أمرنا به فيه . فقال الجميع : سدّد اللّه رأي أمير المؤمنين ووفّقه . وعاتبته أم جعفر في تقريظه للمأمون ، دون محمد ابنها ، فدعا خادما بحضرته ، وقال له : وجّه إلى محمد وعبد اللّه خادمين حصيفين يقولان لكل واحد منهما على الخلوة : ما يفعل به إذا أفضت الخلافة إليه ؟ فأما محمد فإنه قال للخادم : أقطعك وأعطيك ، وأقدمك . وأما المأمون فإنه رمى الخادم بدواة كانت بين يديه ، وقال : يا ابن اللّخناء ؛ أتسألني عما أفعل بك يوم يموت أمير المؤمنين ، وخليفة ربّ العالمين ؟ إني لأرجو أن نكون جميعا فداء له . فرجعا بالخبر ؛ فقال الرشيد لأم جعفر : كيف ترين ؟ ما أقدّم ابنك إلّا متابعة لرأيك ، وتركا للحزم . وسايره يوما عبد الملك بن صالح ؛ فقام رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ طأطئ من إشرافه ، واشدد شكائمه ، وإلّا أفسد عليك ملكك ؛ فقال الرشيد : يا عبد الملك ؛ ما هذا ؟ قال : حاسد نعمة ، ونافس رتبة أغضبه ، رضاك عنّي وباعده قربك مني ، وساءه إحسانك إليّ . فقال الرشيد : انخفض القوم وعلوتهم ؛ فتوقّدت في قلوبهم جمرة التأسّف ؛ فقال عبد الملك : أضرمها اللّه بالتزيّد عندك ؛ فقال : هذا لك ، وذاك لهم . وأنشده إسحاق الموصليّ مدحا له ، فقال : للّه درّ أبيات تجيء بها ! ما أحكم أصولها ، وأحسن فصولها ، وأقلّ فضولها ! فقال إسحاق : هذا الكلام أحسن من شعري .