أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

65

نثر الدر في المحاضرات

الهادي « 1 » اعتلّت أمّه الخيزران ؛ فأراد الركوب إليها ، فقال عمر بن بزيع ألا أدلّك على ما هو أنفع من عيادتها ، وأجلب لعافيتها ؟ قال : بلى . قال : تجلس للمظالم ؛ فقد احتاج الناس إلى ذلك ، فرجع وجلس ووجّه إليها : إني أردتك اليوم ، فعرض من حقّ اللّه ما هو أوجب ، فملت إليه ، وأنا أجيئك في غد إن شاء اللّه . قال سعيد بن سلم الباهلي : صلّى بنا الهادي صلاة الغداة فقرأ : عَمَّ يَتَساءَلُونَ ( 1 ) [ النّبأ : الآية 1 ] فلما بلغ قوله تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ( 6 ) [ النّبأ : الآية 6 ] ارتجّ عليه ؛ فردّدها ولم يجسر أحد أن يفتح عليه لهيبته ، وكان أهيب الناس ، فعلم ذلك فقرأ : أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [ هود : الآية 78 ] ففتحنا عليه ، وكنا نعدّ هذا من محاسنه . وعزّى إبراهيم بن سلم عن ابن له ، وقد اشتد جزعه عليه ؛ فقال له : سرّك وهو بلية وفتنة ، ويحزنك وهو ثواب ورحمة ! . وقال لأمه الخيزران حين ولي الخلافة : إنّ الأمر والنهي لا يبلغه قدر النساء ، فلا تخرجنّ من خفر الكفاية إلى بذلة التدبير اختمري بخمرتك ، وعليك بسبحتك ولا علمتك تعدّيت ذلك إلى تكليف يضرّك ، وتعنيف يلزمك ، ولك بعد هذا عليّ الطاعة التي أوجبها اللّه لك في غير كفر ولا مأثم ولا عار . وأنفذ إليها يوما أرزا مسموما ، وقال : استطبت هذا ، فأنفذته إليك ، فاسترابت به ولم تأكله ، ودخل بعقب ذلك إليها ؛ فقال لها : هل أكلت الأرز ؟ فقالت : نعم . فقال : لو أكلته لكان الأمر بخلاف هذا . متى أفلح خليفة له أمّ ؟ . وشهدوا عنده على رجل بأنه شتم قريشا ، وتعدّى إلى ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فجلس مجلسا أحضر فيه فقهاء أهل زمانه ، وأحضر الرجل والشهود وشهدوا ؛

--> ( 1 ) الهادي العباسي : هو موسى بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور ، أبو محمد الهادي ، ولد سنة 144 ه ، وتولى الخلافة سنة 169 ه ، تنازع مع أمه الخيزران في شؤون الملك فأمرت جواريها فخنقنه في ربيع الأول ، أو الآخر ، سنة 170 ه . ( البداية والنهاية 10 / 165 - 166 ) .