أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

62

نثر الدر في المحاضرات

وقال له : يا أبا عبد اللّه ، الخليفة لا يصلحه إلّا التقوى ، والسلطان لا يقيمه إلّا الطاعة ، والرعية لا يصلحها إلا العدل ، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، وأنقص الناس مروءة وعقلا من ظلم من هو دونه . وقال له الربيع : إن لفلان حقّا ؛ فإن رأيت أن تقضيه فتولّيه ناحية . فقال : يا ربيع ؛ إنّ لاتّصاله بنا حقّا في أموالنا ، لا في أعراض المسلمين وأموالهم . إنّا لا نولّي للحرمة والرعاية ، بل للاستحقاق والكفاية ، ولا نؤثر ذا النسب والقرابة على ذي الدّراية والكتابة ؛ فمن كان منكم كما وصفنا شاركناه في أعمالنا ، ومن كان عطلا لم يكن لنا عذر عند الناس في توليتنا إياه ، وكان العذر في تركنا له وفي خاصّ أموالنا ما يسعه . وكان يقول : لو عرف إبليس أنّ أحدا بعد النبيّ - صلى اللّه عليه وسلّم - أفضل من علي بن أبي طالب لأغرى الناس بنقضه وحطّه عن منزلته . وخطب يوم جمعة ، فكان مما حفظ من كلامه : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 ) [ الأنبياء : الآية 105 ] أمر مبرم وقضاء فصل ، والحمد للّه الذي أفلج حجّته ، وبعدا للقوم الظالمين ؛ الذين اتّخذوا الكعبة غرضا ، والفيء إرثا وجعلوا القرآن عضين ، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزءون ، وكأيّن ترى من بئر معطلة وقصر مشيد . أمهلهم اللّه حين نبذوا القرآن والسنة ، واضطهدوا العترة ، واستكبروا وعندوا ، وخاب كلّ جبار عنيد ، ثم أخذهم ف هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [ مريم : الآية 98 ] . وكتب إليه زياد بن عبيد اللّه يسأله الزيادة في أرزاقه ، ويبالغ في الكتاب . فوقع المنصور في كتابه : إنّ الغنى والبلاغة إذا اجتمعا في رجل أبطراه ، وأمير المؤمنين مشفق عليك ، فاكتف بالبلاغة . المهدي « 1 » حكي أن رجلا أتى باب المهديّ ، ومعه نعلان ، فقال : هما نعلا رسول

--> ( 1 ) المهدي العباسي : هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ، أبو عبد اللّه المهدي ، ولقب بالمهدي رجاء أن يكون الموعود به في الأحاديث فلم -