أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

61

نثر الدر في المحاضرات

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : الآية 3 ] أن يوفّقني للصواب ، ويسدّدني للرّشاد ، ويلهمني الرأفة بكم ، والإحسان إليكم ، ويفتحني لأعطياتكم ، وقسم أرزاقكم فيكم ، إنه قريب مجيب . فقال ابن عيّاش المنتوف : أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربّه . خطب المنصور بالكوفة فقال : الحمد للّه أحمده ، وأستعينه ، وأومن به وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده ، لا شريك له ، وأراد أن يقول : وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله ؛ فقال رجل : يا أمير المؤمنين ؛ أذكّرك من تذكّر به . فقال المنصور : سمعا سمعا لمن فهم عن اللّه ، وأعوذ باللّه أن أذكّر باللّه وأنساه ، وأن تأخذني العزة بالإثم : قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [ الأنعام : الآية 56 ] وأنت واللّه ما اللّه أردت بذلك ، ولكن حاولت أن يقال : قام فقال فعوقب فصبر ، وأهون بها وبقائلها ! ولو صمت لكان خيرا له ، فاهتبلها إذا غفرتها ، وإياكم وأخواتها ، فإن الموعظة علينا نزلت ، ومن عندنا انبثّت ، فردّوا الأمر إلى أهله يصدروه كما أوردوه ؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . ورجع إلى خطبته . كان يقول : الخلفاء أربعة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ على ما نال من عثمان ، وما نيل منه أعظم ، ولقد كان عمر بن عبد العزيز امرأ صدق ؛ والملوك أربعة : معاوية وكفاه زياد ، وعبد الملك وكفاه حجّاجه ، وهشام وكفاه مواليه ، وأنا ولا كافي لي . وكان معاوية للحلم والأناة وعبد الملك للإقدام والإحجام ، وهشام لوضع الأمور مواضعها ، ولقد شاركت عبد الملك في قول كثيّر « 1 » : [ الطويل ] يصدّ ويفضي وهو ليث عرينة * وإن أمكنته فرصة لا يقيلها وقال للمهديّ ابنه : يا أبا عبد اللّه ؛ لا تبرمنّ أمرا حتى تفكّر فيه ؛ فإنّ فكرة العاقل مرآة تريه قبيحة وحسنه .

--> ( 1 ) البيت في زهر الآداب ص 358 ، بلفظ : يقلب عيني حية بمفازة * إذا أمكنته شدة لا يقيلها