أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
40
نثر الدر في المحاضرات
ودخل على الوليد شيخان ؛ فقال أحدهما : نجدك تملك عشرين سنة ؛ فقال الآخر : كذبت ، بل نجده يملك ستين سنة . قال ؛ فقال الوليد : ما الذي قال هذا لاث بصغري ولا الذي قال هذا يغرّ مثلي ؛ واللّه لأجمعنّ المال جمع من يعيش أبدا ، ولأفرقنّه تفريق من يموت غدا . وخطب فقال : إن أمير المؤمنين عبد الملك كان يقول : الحجاج جلدة ما بين عينيّ ، ألا وإنه جلدة وجهي كلّه . ولما مات عبد الملك صعد الوليد المنبر ؛ فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : لم أر مثلها مصيبة ولم أر مثله ثوابا : موت أمير المؤمنين ، والخلافة ؛ فإنا للّه وإنا إليه راجعون على المصيبة ، والحمد للّه رب العالمين على النعمة انهضوا فبايعوا على بركة اللّه . مات لعبد الملك ابن ، فجاء الوليد فعزّاه ؛ فقال : يا بني ؛ مصيبتي فيك أعظم من مصيبتي بأخيك ، متى رأيت ابنا عزّي أباه ؟ قال : يا أمير المؤمنين ؛ أمي أمرتني بذلك . قال : هو من مشورة النساء . وروي : أن الوليد قام على المنبر بعد موت عبد الملك ؛ فقال : يا لها مصيبة ما أفجعها وأعظمها ، وأشدها وأوجعها وأغمها موت أمير المؤمنين ! ويا لها نعمة ما أعظم المنّة من اللّه تعالى عليّ فيها ، وأوجب للشكر له بها ، خلافته التي سربلتها . فكان أول من عزّى نفسه وهنأها بالخلافة . فأقبل غيلان بن مسلمة الثقفي ؛ فسلم عليه بالخلافة ، ثم قال : أصبحت يا أمير المؤمنين ورثت خير الآباء ، وسمّيت خير الأسماء ، وأعطيت أفضل الأشياء ، فعزم اللّه لك على الرّزيّة بالصبر ، وأعطاك في ذلك نوافل الأجر ، وأعانك في حسن ثوابه على الشكر ، ثم قضى لعبد الملك بخير القضية ، وأنزله المنازل الرضيّة . فأعجبه كلامه وقال : أثقفي أنت ؟ قال : نعم وأحد بني معتب . فسأله : كم هو من العطاء ؟ فقال : في مائة دينار . فألحقه بشرف العطاء ، فكان أول من ألحق بشرف العطاء .