أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
198
نثر الدر في المحاضرات
قال بعض الكوفيين : علامة نجابة الصبي في ثلاث : عرامته ، وجبنه وبخله ؛ فإنه لا يكون شديد العرامة إلّا من جودة نفسه ، ولا يبخل إلّا من معرفته ، ولا يجبن إلّا من عقله . كان زيد بن محمد بن زيد الداعي مبخّلا ؛ فلما أسر بعد مقتل أبيه بجرجان ، وحمل إلى بخارى وحبس مدة ، ثم أفرج عنه سعى به بعض أعدائه إلى السلطان ؛ فقال : إنّ زيدا قد حدّث نفسه بالخروج عليك والدّعاء إلى نفسه ، وإثارة الفتنة ؛ فقال أبو عبد اللّه الجيهاني - وكان وزيرا - : إنّ زيدا ما دام يبني الحمّام من اللبن والطين ببخارى لا يسمو بنفسه إلى ذلك . وكان قد فعل ذلك مع عفونة أرض بخارى ، وقلة ثبات الأبنية بها . فصدّقوه وأمنوا جانبه ولم يتعرضوا له . سأل رجل أبا الأسود شيئا فمنعه ؛ فقال له : يا أبا الأسود ، ما أصبحت حاتميا ؛ فقال : بل أصبحت حاتميا . أما سمعت حاتما يقول « 1 » : [ الطويل ] أما ويّ ، إما مانع فمبيّن * وإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر كان أحيحة بن الجلاح بخيلا ، فكان إذا هبّت الصّبا طلع من أطمه « 2 » ؛ فنظر إلى ناحية هبوبها ، ثم يقول : هبّي هبوبك . قد أعددت لك ثلاثمائة وستين صاعا من عجوة ، أدفع إلى الوليد منها خمس تمرات فيردّ عليّ ثلاثا لصلابتها . كان خالد بن صفوان قد أجرى لولده في الشهر ثلاثين درهما ؛ فكان يقول : إن الثلاثين لأعبث في المال من السّوس في الصّوف في الصيف . عذل بعض البخلاء على بخله ؛ فقال : يا قوم ؛ هب الناس يلوموننا على التقصير فيما بيننا وبينهم ، ما بالهم يلوموننا على التقصير فيما بيننا وبين أنفسنا ؟ سمع أبو الأسود رجلا يقول : من يعشّي الجائع ؟ فعشّاه ، ثم ذهب السّائل ليخرج ، فقال : هيهات . على ألّا تؤذي المسلمين الليلة ؛ فوضع رجله في الأدهم ، وقال : لا تروّع مسلما سائرا الليلة .
--> ( 1 ) البيت في ديوان حاتم الطائي ص 199 . ( 2 ) الأطم : القصر ، وكل حصن مبني بحجارة ، وكل بيت مربّع مسطّح .