أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
191
نثر الدر في المحاضرات
من أهل الكوفة ، وقد بلغني خبرك ، فرحّب به ، وأدخله البيت وأجلسه ، وأخذ قطعة ومرّ ليشتري له شيئا يأكله ، فلما خرج إلى السوق دنا من البقال ؛ فقال : عندك خبز ؟ فقال : عندي خبز كأنّه السمن ؛ فقال المصلح في نفسه : لم لا أشتري ما نعته به ؟ فذهب إلى آخر ، وقال : أعندك سمن ؟ فقال : عندي سمن كأنّه الزّيت ؛ فقال في نفسه : أذهب فآخذ ما نعته به ، فذهب إلى بقّال آخر ؛ فقال : عندك زيت ؟ قال : عندي زيت كأنه الماء ، فقال في نفسه : عندي واللّه راوية ماء . فرجع إلى البيت ، وأخذ الماء في غضارة وقدمه إلى الكوفيّ وقال : كل هذا ، فإنه نعت النّعت ، فقال الكوفي : أنا أشهد أنكم أحذق بالإصلاح منّا بألف درجة . قال مزبّد : أهل الكوفة إذا عتق عندهم التنور دقّوه وجعلوه في الفتيت . قال بعضهم : بتّ عند رجل من أهل الكوفة . وهو من الموسرين المعروفين بحسن الحال ، وله صبيان نيام بحيث أراهم ، فرأيته في الليل يقوم فيقلبهم من جنب إلى جنب ؛ فلما أصبحنا قلت له : رأيتك يا أبا جعفر البارحة تفعل كيت وكيت . قال : نعم ، هؤلاء الصبيان يأكلون وينامون على اليسار ، فيمريهم الطعام فيصبحون جياعا ، فأنا أقلبهم من اليسار إلى اليمين ؛ لئلا ينهضم ما أكلوه سريعا . قال بعضهم : دخلت الكوفة فسمعت امرأة تقول : يا أبا جعفر الدقاق ، حسيبك اللّه - وقد اجتمع الناس عليهما - فقال الدقاق : ما لك ؟ قالت : أعطيتني كيلجة دقيق ما جاء منها إلا ثمانون رغيفا . قال : يا مسرفة ، إذا كنت تخبزين رغفانا مثل الأرحبة فأيّ ذنب لي ؟ . وقال بعضهم : رأيت بالكوفة سائلا يتصدّق ، ومعه منهزة ، فقلت له : ما هذه ؟ قال : أصيد بها الكسر . قال : وإذا هو كلّما رموا إليه بكسرة من تلك الرّوازين طارت بها الريح ، فتلقّاها بالمنهزة . قال آخر : رأيت بالكوفة صبيّا ومعه قرصة ، وهو يكسر لقمة لقمة ، ويرمي بها إلى شقّ في بعض الحيطان يخرج منه دخان ، ويأكلها . قال : فبقيت أتعجّب منه ، إذ وقف عليه أبوه يسأله عن خبره ؛ فقال الصبي : هؤلاء قد طبخوا