أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

185

نثر الدر في المحاضرات

لما مات والد بهلول خلف ستمائة درهم ، فحظر عليها القاضي ، فجاءه يوما ، وقال : أيّها القاضي ؛ ادفع إليّ مائة درهم ، حتى أقعد في الحلقات فإن أحسنت أن أتّجر بها دفعت إليّ الباقي . فدفع إليه ذلك ، فذهب وأتلفه وعاد إلى مجلس القاضي . وقال : إني قد أتلفت المائة ، فتفضل بردّها فقد أسأت إذ دفعت إليّ ذلك ، ولم يثبت عندك رشدي . فقال القاضي : صدقت ، والتزم المائة في ماله . كان مجنون يؤذيه الصبيان ، فقال له رجل : تريد أن أطردهم عنك ؟ فقال : نعم ، وتنطرد أيضا معهم . قال مجنون : ليس في الدنيا أجلّ مني ، لا أحاسب في الدنيا ولا في الآخرة . قال الرشيد لبهلول : من أحبّ الناس إليك ؟ فقال : من أشبع بطني . فقال : أنا أشبعك ، فهل تحبّني ؟ قال : الحبّ بالنّسيئة لا يكون . كان مجنون يختلف إلى المآتم ، ويدعو ، ورسمه أن يعطى درهمين ، فاتفق أنّ آل الزبرقان لم يمت منهم أحد سنين كثيرة ، ثم مات منهم واحد فحضر المجنون ، وأعطي درهما واحدا . فقال : من كثرة ما تموتون حتى نقصتم رسمي . وكان مجنون آخر يحضر المآتم ، ورسمه أن يعطي ثلاثة أرغفة فحضر يوما بعض المواضع وأعطي ستة أرغفة ؛ فلما أراد أن يخرج قال لأصحاب التعزية : اذكروا أنه قد بقي لكم عليّ ميت آخر . قال : لما ضمّت المدينة إلى الحجاج مع مكة خرج إليها ؛ فبينا هو يسير إذ قال لأصحابه : تأخّروا حتى أحدث نفسي ؛ فتأخّروا . ومضى على حماره حتى انتهى إلى مبقلة ، فإذا رجل جالس على شفير بئر ، فوقف عليه فقال : ما يقول الناس في أميرهم ؟ . فقال : يقولون : ظالم متعدّ ملعون . قال الحجاج : أتعرفني ؟ قال : لا . قال : أنا الحجاج . قال الرجل : أتعرفني أنت ؟ قال : لا . قال : أنا مولى بني ثور ، أصرع في كل شهر ثلاثة أيام ، اليوم أولها وأشدّها ؛ فضحك الحجاج ولم يتمالك ، ومضى ، ولحقه الناس .