أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
186
نثر الدر في المحاضرات
قيل لبهلول : أتأكل في السوق وأنت تجالس جعفر بن محمد رضي اللّه عنه ؟ قال : حدّثني مالك عن نافع عن ابن عمر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « مطل الغني ظلم » لقيني الجوع ، والخبز في كميّ ؛ فكرهت أن أمطله . ورئي في مقبرة ؛ فقيل له : هلّا خالطت الناس ؟ فقال : إني بين قوم إن حضرت لم يؤذوني ، وإن غبت لم يغتابوني . قيل له : فادع اللّه ، فإنّ الناس في ضر وشدة من الغلاء . فقال : وما عليّ من ذلك ، ولو بلغت الحبة دينارا ، وإنما عليّ أن أعبد اللّه كما أمرني ، وعليه أن يرزقني كما وعدني . قيل لبهلول : وزن أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما بالأمة فرجحا . فقال : كان بالميزان غبن . وجاء بهلول فوقف بحذاء حفص بن غياث القاضي ، فقال : هو ذا ، أجد البرد في قدمي ورأسي . فأمر له بقلنسوة وخفّين . فلما كان اليوم الثاني وقف بهلول بحذائه ؛ فقال له : ما لك ؟ قال : جزى اللّه القاضي عن الأطراف خيرا ؛ فأمر له بقميص وسراويل . جاءت امرأة دندان المجنون إلى القاضي ؛ فقالت : أصلحك اللّه ، إنه يجيعني ويضربني ! قال القاضي : ما تقول ؟ قال دندان : أما الضرب فنعم ، وأما الجوع فهي طالق ثلاثا إن لم تجئ معي إلى منزلي مع أصحابك أيها القاضي ، فقال لأصحابه : قوموا بنا لا يحنث . فقام القاضي ، وذهب معه ، فلما دخل جاء به إلى مزبلة فيها رجيع عظيم ، فقال : أصلحك اللّه . هذا يخرج من بطن جائع ؟ قال : أخزاك اللّه ، فإنك أحمق . قال : أحمق مني من أطاع المجانين . كان بهلول يوما جالسا والصبيان يؤذونه وهو يقول : لا حول ولا قوة إلا باللّه . يعيده مرارا ، فلما طال أذاهم له أخذ عصاه وقال : حمي الوطيس ، وطابت الحرب ، وأنا على بيّنة من ربّي . ثم حمل عليهم وهو يقول « 1 » : [ الوافر ] أشدّ على الكتيبة لا أبالي * أفيها كان حتفي أم سواها
--> ( 1 ) البيت للعباس بن مرداس في خزانة الأدب 2 / 438 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 158 ، وبلا نسبة في الإنصاف 1 / 296 .