أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
180
نثر الدر في المحاضرات
رئي بهلول مغموما يبكي ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : كيف لا أبكي ؟ وقد جاء الشتاء وليس لي جبة . فقيل له : لا تبك ؟ فإن اللّه لا يدعك بلا جبة . قال : بلى واللّه . عام أول تركني بلا جبة ولا سراويل ، وأخاف أن يدعني العام بلا جبة ولا سراويل ولا قلنسوة . قال بعضهم : مررت يوما ببهلول ، وهو يأكل فرنية حوّارى مع دجاجة ، فقلت له : يا بهلول ؛ أطعمني مما تأكل ، فقال : ليس هذا لي - وحياتك - هذا دفعته إليّ أمّ جعفر آكله لها . نظر رجل إلى جماعة من المجّان حول مجنون ، فقال له : ادخل إلى بعض المواضع حتى يتفرّقوا عنك . قال : إذا جاعوا انصرفوا . قيل لبهلول : تأخذ درهما وتشتم فاطمة ؟ قال : لا ، ولكن هاتوا نصف درهم حتى أشتم عائشة ، وأزيدكم أباها . كان الجهجاه مجنونا ، وكان يدّعي الخلافة ، فأدخل على الرشيد ، وعنده أبو يوسف القاضي ، فقال : جعفر بن يحيى كالهازئ به : هذا أمير الضّراطين . يزعم أنه أمير المؤمنين . قال : لو كنت كذلك كنت أوسع إمرة من صاحبك ؛ لأنّ الضراط عامّ ، والإيمان خاصّ . قال له الرشيد : لأضربنّك بالسّياط حتى تقر بالزندقة . قال : فإذا أقررت ترى قتلي ؟ قال : نعم ، قال : فالتفت إلى أبي يوسف ، وقال : يا يعقوب ؛ ليس لصاحبنا فقه . قيل لبهلول : أيكفي اثنين رأس واحد ؟ قال : إذا كان أحدهما نائما . وحضر مجلسا فيه قوم يتذاكرون الحديث ، فرووا عن عائشة أنّها قالت : لو أدركت ليلة القدر ما سألت ربي إلّا العفو والعافية . فقال بهلول : والظفر بعليّ يوم الجمل . وحكي أنّ صاحب المارستان أتاه يقدح فيه دواء ، وقال له : اشرب يا ابن الزانية ؛ فقال : هات حتى أشربه واللّه أعلم أنك أحقّ به مني . ولما حمل إلى المارستان سأل الناس أن يأذنوا له في أن يلمّ ببيته ، ويوصي أهله بشيء ، فمنعوه ، فقرأ : فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ( 50 ) [ يس : الآية 50 ] .