أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

179

نثر الدر في المحاضرات

قيل لمجنون : أيسرّك أن تصلب في صلاح هذه الأمة ؟ قال : لا ، ولكن يسرني أن تصلب الأمة في صلاحي . قال داود المصاب لصديق له : رأيت البارحة رؤيا نصفها حق ، ونصفها باطل ، رأيت كأني قد حملت على عاتقي بدرة ، فمن ثقلها خريت فانتبهت فرأيت الخرا ، ولم أر البدرة . سمع مجنون رجلا يقول : اللهم لا تأخذنا على غفلة . فقال : إذا لا يأخذك أبدا . قال بعضهم : كان بالشام مجنون يستطرف حديثه ، قال : رأيته يوما وقد رفع رأسه إلى السماء وهو يقول : الناس كذا يعملون ، وهذيان كثير . قيل له : ما تقول ؟ ويحك . قال : أعاتب ربي . قيل : فكذا يخاطب اللّه ! . قال : قلت له : بدل ما خلقت مائة وجوّعتهم لو كنت تخلق عشرة وتشبعهم لكان خيرا . جاء مجنون إلى يزيد بن هارون ، فقال له : يا أبا خالد ؛ أليس النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لولا أنّ الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها ، ولكن اقتلوا منها كلّ أسود بهيم » قال يزيد : نعم . فقال المجنون : أليس قد قال اللّه تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [ فاطر : الآية 24 ] . فمن نذير الكلاب ؟ قال : فتحيّر يزيد في جوابه . فقال له المجنون : تحبّ يا أبا خالد أن أعرّفك نذير الكلاب ؟ قال : نعم ، فأخذ حجرا فرمى به كلبا بالقرب منه ؛ فعدا الكلب يعوي وينبح ؛ فقال : يا أبا خالد ؛ الحجر نذير الكلاب . سأل بعض الولاة عن أبي نصر الهروي ليعبّر له رؤيا رآها ، فقيل له : هو بمرو يأوي الصحراء ؛ فبعث إليه ، فأتي به ؛ فقال : إني رأيت كأنّ في كمي عصافير ؛ فجعلت تفلت واحدة واحدة ، وتطير ؛ فلما كان آخر عصفورة كادت تفلت ، فحبستها . قال المجنون : أكلت عدسية ، فبت تضرط ليلتك ؛ فلما كان آخرها أردت أن تسلح فحبسته . فقال الوالي : اسكت قبحك اللّه . قال : هو واللّه ما قلت . فلما خرج قال الرجل : واللّه ما أخطأ شيئا .