أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
15
نثر الدر في المحاضرات
وقال عمرو بن العاص له : ما أشدّ حبّك للمال ! قال : ولم لا أحبّه وأنا أستعبد به مثلك ، وأبتاع به مروءتك ودينك ؟ . قال : السفلة من ليس له نسب معروف ، ولا فعل موصوف . وقال : ثلاثة ما اجتمعن في حر : مباهتة « 1 » الرجال ، والغيبة للناس ، والملال لأهل المروءة . وقال لرجل : من سيد قومك ؟ قال : لجأهم الدهر إليّ . قال : هكذا تكون المخاتلة عن الشرف . وقال صعصعة : يا أمير المؤمنين ؛ ما لنا نحبّ أولادنا أشدّ من حبّهم لنا ؟ قال : لأنّهم منّا ولسنا منهم ؛ ولدناهم ولم يلدونا . قدم رجل من مصر عليه ، فإنه ليحدثه إذ حبق « 2 » ؛ فانقبض وترك الكلام ؛ فقال معاوية : خذ فيما كنت فيه ، فما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي . ودخل عليه رجل مرتفع العطاء فرأى في عينيه رمصا ؛ فحطّ عطاءه وقال : يعجز أحدكم إذا أصبح أن يتعهّد أديم وجهه . وقال لقريش في خلافته : إني أقع إذا طرتم ، وأطير إذا وقعتم ، ولو وافق طيراني طيرانكم لاختلفنا . وقال : العيال أرضة المال . وقيل له : ما بلغ من عقلك ؟ قال : لم أثق بأحد . ونظر إلى يزيد وهو يضرب غلاما له ؛ فقال له : لا تفسد أدبك بتأديبه ، ولكن وكّل به من يؤدبه . روي عن بعضهم أنه قال : قدم معاوية المدينة ، فدنوت من المنبر لأحفظ عنه ؛ فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ؛ فإنّا قدمنا على صديق مستبشر ، وعلى عدو مستبسر ، وناس بين ذلك ينظرون وينتظرون ؛ فإن أعطوا منها رضوا ، وإن لم يعطوا منها سخطوا .
--> ( 1 ) المباهتة : من بهت ، وباهته : إذا استقبله بأمر يقذفه به وهو منه بريء لا يعلمه . ( 2 ) حبق : ضرط وأحدث .