أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

100

نثر الدر في المحاضرات

فصل آخر وما الحقّ إلّا حقّ اللّه ، فمن أدّاه فلنفسه ، ومن قصّر عنه فعليها . نسأل اللّه أن يعمرنا بالحق ، ويصلحنا بالتوفيق ويخصّنا بالتقوى . فصل آخر له وصلني كتابك السارّ المؤنس ؛ فكان أسرّ طالع إليّ ، وأحسنه موقعا منّي ؛ إذ كنت أستعلي بعلوّك ، وأرى نعمتك تنحطّ إليّ ، ويتصل بي منها ما يتّصل بالأدنين من لحمتك ، وحملة شكرك ومظانّ معروفك ، والمقيمين على تأميلك ، فلا أعدمني اللّه ما منحني منك ، ولا أزال عني ظلّك ، ولا أفقدني شخصك . وكتب إلى المأمون : لولا أنّ يدي أشجع عليه من لساني لشافهته بحاجتي . ولما أدخل على المأمون عند الظفر به سلّم عليه ، وقال : يا أمير المؤمنين وليّ الثأر محكّم في القصاص ، والعفو أقرب للتقوى ، ومن مدّ له في الأناة حسن عنده الذّنب ، وقد جعلك اللّه فوق كل ذي ذنب كما جعل كل ذي ذنب دونك ، فإن عاقبت فبحقّك ، وإن عفوت فبضلك . فقال المأمون : يا إبراهيم ؛ إنّي شاورت العباس ابني ، وأبا إسحاق أخي في أمرك ؛ فأشارا عليّ بقتلك إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك ، فكرهت القتل للازم حرمتك . فقال : يا أمير المؤمنين ؛ قد نصح المشير لما جرت به العادة في السياسة ، وحياطة الخلافة إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلّا من حيث عوّدته من العفو ؛ فإن عاقبت فلك نظير ، وإن عفوت فلا نظير لك ؛ فإن جرمي أعظم من أن أنطق فيه بعذر ، وعفو أمير المؤمنين أجلّ من أن يفي به شكر . فقال المأمون : مات الحقد عند هذا العذر . فاستعبر إبراهيم ؛ فقال المأمون : ما شأنك ؟ قال : الندم ؛ إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام عليّ ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ؛ إنه وإن بلغ جرمي