أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
5
نثر الدر في المحاضرات
العرب . وقال أبو الدرداء « 1 » : « إني لأسجمّ نفسي بشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحقّ » . وفي حديث زيد بن ثابت « أنه كان من أفكه الناس إذا خلا مع أهله ، وأزمتهم في المجلس » . وقال عطاء بن السائب « 2 » : « كان سعيد بن جبير يقصّ علينا حتى يبكينا ، وربما يقصّ علينا حتى يضحكنا » . وقال الزهري « 3 » : « الأذن مجّاجة ، وللنّفس حمضة » . وبعد ، فإن الذي يأتي في أثناء هذا الكتاب من الهزل ربما صار داعية لطالبه إلى أن يتصفّح ما قبله من الجدّ ، فيعلق منه بقلبه ما ينتفع به ، ويذوق حلاوة ثمرته ، ويعرف به قبح ضدّه ، حتى يصير ذلك لطفا له في النّزوع عن تماديه في غيّه ، وتهوّكه في هزله ، وأدنى ما فيه أن يتنزّه عن مثله ، ويتحامى أن يبدر منه ما عيب على غيره من فعله ، فليس يخلو ذلك من نادرة ماجن لا يتحاشى من باطله ، أو فلتة مغفل يرمي غير غرضه . وأخليت الفصل الأول من هذه النوادر والملح ؛ لأني كرهت أن أفصل بها بين كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعترته ، وبين كلام أصحابه وحفدته ، الذين واسوه بأنفسهم وأموالهم ، وأطاعوه في أقوالهم وأفعالهم ، وهجروا له أوطانهم وبلادهم ، وقاتلوا معه إخوانهم وأولادهم ، ووقوه بأنفسهم حرّ الجلاد ، وجاهدوا معه في اللّه حقّ الجهاد ، حتى ظهر دين اللّه ، وعلت كلمة اللّه ، وحتى وضح الصبح لذي عينين ، ببدر وأحد وحنين . فقدّمت كلام أبي بكر الصديق ؛ إذ كان المتقدم لكل ذي صحبة ، والسابق الأول من غير كبوة ، قاتل أهل الرّدّة الكفّار ، وثاني اثنين إذ هما في الغار ، وأتبعته بكلام عمر بن الخطاب القويّ الأمين ، الذي لم تغمز قناته في ذات اللّه ،
--> ( 1 ) أبو الدرداء : هو عويمر بن مالك ، وقيل : عويمر بن زيد ، من بلحارث بن الخزرج ، صحابي توفي سنة 32 ه ( انظر ترجمته في : الطبقات الكبرى لابن سعد 7 / 274 ، الإصابة ترجمة رقم 6119 ، المعارف لابن قتيبة ص 268 ، الكواكب الدرية 1 / 80 ) . ( 2 ) هو عطاء بن السائب الثقفي ، أحد الأئمة ورواة الحديث الثقات ، توفي سنة 136 ه ( انظر : كتاب الثقات لابن حبان 7 / 251 ، الطبقات الكبرى لابن سعد 6 / 328 ، تذهيب الكمال ص 125 ) . ( 3 ) الزهري : هو محمد بن مسلم أبو بكر الشهير بابن شهاب الزهري توفي سنة 124 ه ، صنّف « كتاب المغازي » ( كشف الظنون 6 / 7 ) .