أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
30
نثر الدر في المحاضرات
وقال : من أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء ، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء ، فلا يلومنّ رجل إلا مناخ راحلته . وقال له أبو عبيدة حين نزل عن ناقته ، وخلع خفّيه ، وخاض المخاضة : ما يسرّني أنّ أهل البلد استشرفوك ؛ أي رأوك . فقال له عمر رضي اللّه عنه : لو غيرك يقول هذا لجعلته نكالا ، إنّا كنّا أذلّ قوم ، فأعزّنا اللّه بالإسلام ، فإن طلبنا العزّ بغير ما أعزنا اللّه به أذلّنا . وخطب رضي اللّه عنه فقال : إن أخوف ما أخاف عليكم أن يؤخذ الرجل المسلم البريء عند اللّه ، فيدسر كما يدسر الجزور « 1 » ، ويشاط لحمه كما يشاط لحم الجزور ، ويقال : عاص وليس بعاص . فقال عليّ عليه السلام : كيف ذاك ؟ ولما تشتدّ البلية ، وتظهر الحمية وتسب الذّرية وتدقّهم الفتن دقّ الرحا ثفالها . وقال عمر رضي اللّه عنه : لا تفطروا حتى تروا الليل يغسق على الظراب « 2 » . وروي أن ابن السوادة أخا بني ليث قال له : أربع خصال عاتبتك عليها رعيّتك . فوضع عود الدرّة ثم ذقن « 3 » عليها وقال : هات . قال : ذكروا أنك حرّمت العمرة في أشهر الحج . قال عمر - رضي اللّه عنه : أجل . إنكم إذا اعتمرتم في أشهر حجكم ظننتموها مجزية من حجكم فقرع حجكم ؛ فكانت قائبة قوب « 4 » عامها ، والحجّ بهاء من بهاء اللّه . قال : شكوا منك عنف السّياق ونهر الرّعيّة . قال : فقرع الدرة ، ثم مسحها حتى أتى على سيورها وقال : أنا زميل محمد في غزوة قرقرة الكدر ثم إني واللّه لأرتع فأشبع ، وأسقي فأروي ،
--> ( 1 ) يدسر : يدفع ويكب للقتل ، وللذبح . ( 2 ) الظراب : جمع ظرب ، ككتف : وهو ما نشأ من الحجارة وحدّ طرفه ، أو الجبل المنبسط ، أو الصغير . ( 3 ) ذقن عليها : وضع ذقنه عليها . ( 4 ) القوب : حفر الأرض ، كالتقويب ، وفلق الطير بيضه ، وبالضم : الفرخ ، كالقائبة ، يقال : « تخلصت قائبة من قوب » أو « قابة من قوب » أي : بيضة من فرخ ، يضرب لمن انفصل من صاحبه .