أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

22

نثر الدر في المحاضرات

وذكر له غلام حافظ من أهل الحيرة ، وقالوا : لو اتّخذته كاتبا . قال : لقد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين . ولما أتي بتاج كسرى وسواره جعل يقلبهما بعود في يده ويقول : واللّه إن الذي أدّى هذا لأمين . فقال رجل : يا أمير المؤمنين ، أنت أمين اللّه ، يؤدّون إليك ما أدّيت إلى اللّه ، فإذا رتعت رتعوا . وقام في الناس فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : يا أيها الناس . اقرءوا القرآن تعرفوا به ، واعملوا به تكونوا من أهله ؛ فإنه لن يبلغ ذو حقّ في حقّه أن يطاع في معصية اللّه . ألا وإنه لن يبعّد من رزق ، ولن يقرّب من أجل أن يقول المرء حقّا ، وأن يذكّر بعظيم . ألا وإني ما وجدت صلاح ما ولّاني اللّه إلا بثلاث : أداء الأمانة ، والأخذ بالقوة ، والحكم بما أنزل اللّه . ألا وإني ما وجدت صلاح هذا المال إلا بثلاث : أن يؤخذ من حقّ ، ويعطى في حقّ ، ويمنع من باطل . ألا وإنما أنا في مالكم كوالي اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف تقرّم البهيمة الأعرابية . وبعث إليه بحلل فقسمها ، فأصاب كلّ رجل ثوب ، فصعد المنبر وعليه حلّة - والحلة ثوبان - ، فقال : أيها الناس ألا تسمعون ؟ فقال سلمان : لا نسمع . قال : ولم يا أبا عبد اللّه ؟ قال : لأنك قسمت علينا ثوبا ثوبا وعليك حلّة . فقال : لا تعجل يا أبا عبد اللّه . يا عبد اللّه ؛ فلم يجبه أحد . فقال : يا عبد اللّه بن عمر ؛ فقال : لبيك يا أمير المؤمنين . فقال : نشدتك اللّه . الثوب الذي اتّزرت به أهو ثوبك ؟ قال : اللهم نعم . فقال سلمان : أما الآن فقل نسمع . وحضر باب عمر - رضي اللّه عنه - جماعة : سهيل بن عمرو ، وعيينة بن حصين ، والأقرع بن حابس ، فخرج الآذن فقال : أين صهيب : أين عمّار ؟ أين سلمان ؟ فتمعّرت وجوه القوم « 1 » . فقال سهيل : لم تتمعّر وجوهكم ؟ دعوا ودعينا ، فأسرعوا وأبطأنا ، ولئن حسدتموهم على باب عمر ، لما أعدّ اللّه لهم في الآخرة أكثر .

--> ( 1 ) تمعّرت وجوه القوم : أي تغيّرت من الغيظ .